توفيق البدري عكاشة...يكتب...
في توقيت كان ينتظر فيه المواطن السوداني من يطبطب على أوجاعه، وهو عائد من الملاجئ، منهم من عاد من مدارس الجزيرة وبيوت الشمالية وخيام نهر النيل، ومنهم من عاد من *ملاجئ مصر.. من شقق فيصل الضيقة، ومن عذاب الإقامة والكرت الأصفر، ومن ذل الشغل في المطاعم والمصانع ليطعم عياله..
عاد من مصر.. باع عفش الغربة بخسارة، ودفع دم قلبه لتذكرة البص، وهو يحدوه الأمل أنه سيعود لبيته الدافئ في الخرطوم، وأنه سيستريح من إهانة (يا سوداني) في الشارع..
عاد الجميع.. عائد الداخل وعائد مصر.. بعد أن سرقت مليشيا الدعم السريع كل شيء.. سرقت الثلاجة والسرير والذهب وحتى ملابس الأطفال.. لم تُبقِ له شيئاً.. عاد إلى بيت بلا باب ولا شباك.. وجد الحيطان فقط.
ولكنه في هذا التوقيت بالذات، وجد نفسه في مطحنة أخرى لا ترحم.. مطحنة غلاء طاحنة ضربت المواطن في مقتل في الأشهر الأخيرة.. كيلو السكر طار.. وكيلو اللحم صار حلماً.. وإيجار الغرفة الواحدة في أم درمان يعادل مرتب 6 شهور!
فالذي كان يدفع إيجار شقة في القاهرة بـ 5000 جنيه مصري، وجد أنه يدفع إيجار غرفة واحدة في أم درمان بـ 500 ألف جنيه سوداني! هرب من ذل الملجأ في مصر، ليقع في ذل السوق في السودان.. فأي عودة هذه؟
المفارقة المؤلمة..
وهنا المفارقة التي يرددها كل الناس في الأسواق: أيام الحرب في أوجها كانت الحياة وتكاليف المعيشة أيسر !
نعم.. في عز القصف والتدوين، كان كيلو السكر بـ 2000 جنيه.. اليوم في زمن (التحرير) صار بـ 7000 جنيه.. في عز الحرب كان التجار يخافون الله أو يخافون النهب، فلا يحتكرون.. اليوم بعد التحرير، صار الاحتكار علناً، وكل تاجر يضع التسعيرة التي تعجبه!
كيف يعقل أن يكون زمن الرصاص أرخص من زمن الأمان؟ هذا سؤال لا يحتاج لخبير اقتصادي.. يحتاج لضمير.
ما الذي حدث.. ومن الذي أشعل النار ؟
الغلاء هذا ليس قضاءً وقدراً.. له أيدٍ داخلية وخارجية أشعلته:
- خارجياً : شريان بورتسودان.. كل بضاعة تدخل عبر بورتسودان تدفع 10 إتاوات.. رسوم حرب، رسوم أرضية، رسوم ترحيل خيالي بسبب تدمير طريق بارا وطريق شريان الشمال.. والحصار الاقتصادي غير المعلن الذي تفرضه علينا دول تريد تركيعنا بوقف التحويلات البنكية..
- داخلياً : جشع التجار الذين وجدوا المواطن العائد مضطراً فذبحوه.. غياب الرقابة الحكومية تماماً.. وتجار الأزمات من بقايا اقتصاد المليشيا الذين سرقوا البنوك والآن يغسلون أموالهم بشراء الدولار ورفع سعره..
-حكومياً : طباعة العملة بدون غطاء، وعدم وجود سعر صرف موحد، وترك السوق يدار بعقلية (الغابة) كل ينهش الثاني..
ماذا على الحكومة
كان على حكومة الأمل، حكومة ما بعد التحرير، أن تفهم أن المواطن العائد من مصر ومن الداخ لا يحتاج لخطاب نصر.. يحتاج لـ (جوال عيش) بسعر معقول..
كان عليها أن تفعل :
- أن تعلن حالة طوارئ اقتصادية وليس أمنية فقط..
- أن تدعم السلع الأساسية الثلاث (السكر، الدقيق، الزيت) لمدة 6 شهور للعائدين من الداخل والخارج..
- أن تفتح منافذ بيع مخفضة باسم (منافذ العودة) تشرف عليها القوات المسلحة نفسها..
- أن تضرب بيد من حديد على المحتكرين كما ضربت الجنجويد.. فالجنجويدي الذي يسرق البيت والمحتكر الذي يسرق قوت البيت وجهان لعملة واحدة..
لكنها لم تفعل.. تركت المواطن وحيداً في مواجهة السوق..
الروشتة.. كيف نخرج من النفق ؟
الخروج من أزمة الغلاء ونفق اعتلال الاقتصاد لا يحتاج لخبير من صندوق النقد.. يحتاج قرارات شجاعة:
أولاً : إيقاف طباعة العملة فوراً والعودة لنظام المقايضة السلعية مع دول الجوار (بترول مقابل قمح)..
ثانياً : إنشاء مفوضية عليا لمراقبة الأسواق بصلاحيات قضائية وعسكرية، مقرها في كل سوق كبير..
ثالثاً : فتح الاستيراد المباشر للمواطنين عبر التعاونيات.. أي حي يستطيع أن يستورد سكره ودقيقه مباشرة بدون وسيط..
رابعاً : دعم الإنتاج المحلي فوراً.. مشروع الجزيرة وشريان الشمال.. لا نريد أن نأكل من بورتسودان..نريد أن نأكل من أرضنا..
خامساً : رسالة للتجار: من لا يرحم لا يُرحم.. الحرب علمتنا أن من يخون الوطن في زمن الرصاص يُعدم.. ومن يخون المواطن في زمن الجوع يجب أن يُحاسب بنفس القسوة..
المواطن الذي صبر على رصاص الجنجويد، وصبر على ذل الملاجئ في مصر، لن يصبر على جشع التاجر..
فأدركوا المواطن قبل أن يفقد الأمل في العودة نفسها..
توفيق البدري عكاشة "ابو ليمار"