أماني ابو فطين...تكتب..

رهان الموت الأخير حين يبيع الشباب حياتهم بحثاً عن أمل وهمي...

كلما اقول ليس هناك شئ يصدمني بعد ما رأيت من اهوال الحرب ،وأن لا جديد قد يثير استغرابي و دهشتي ،إلا أني كنت مخطئة فهنالك دايما ما يلغي كل ما كنا متأكدين منه، تابعت ردود عدد كبير من الشباب السودانيين في بوست على صفحات الفيس بوك ، حين تصدى لهم أحدهم محذراً من خطورة الانسياق خلف العروض الروسية المضللة للعمل الوهمي في الخارج.

فقد كشف لهم زيف تلك الوكالات التي تستغل ضائقتهم عبر إغرائهم بتوقيع عقود مقابل 3 آلاف دولار مقدمة، وراتب شهري يصل إلى 40 ألف دولار بعد المباشرة. غير أن الواقع المرير يختلف تماماً،إذ لا ينال الشاب سوى ألفي دولار ليجد نفسه مجرداً من أي تدريب، ومزجوا به فوراً في أتون المعارك على الحدود الأوكرانية، لتكون نهايته إما الموت المجاني أو العودة بإعاقة دائمة خاوي اليدين.

​صدمة اليأس حين يرخص العمر مقابل ألفي دولار.

​كانت المفاجأة الصادمة تكمن في ردود أولئك الشباب المأزومين، حيث استقبلوا التحذيرات ببرود لافت وعبارات تلخص حجم المأساة "نحن كده كده ميتين، أحسن الواحد يموت وفي إيده ألفي دولار"، مظهرين إصراراً غريباً على معرفة تلك الجهات للاتصال بها والتسجيل لديها.

هكذا انحدر حال جيل كامل للقبول بدور المرتزقة في ساحات حرب بعيدة، مسلماً رقبته لعصابات التجنيد بعد أن سُدت في وجهه كل أبواب الأمل داخل وطنه الجريح.

​أسباب الانهيار النفسي وتلاشي الأفق

​غياب سبل العيش..

انعدام تام للفرص الاقتصادية وضياع مقومات الحياة الكريمة في الداخل.

​فقدان بوصلة المستقبل شعور العاطلين عن العمل بأن البقاء في الوطن بات مرادفاً لموت بطيء ومؤلم.

​الوقوع في فخ العصابات استغلال شبكات الاتجار بالبشر لفقر الشباب ويأسهم لتحويلهم إلى وقود لحروب الآخرين.

​تداعيات كارثية على مستقبل المجتمع السوداني.

​نزيف الطاقات البشرية فقدان الشريحة الأكثر حيوية وإنتاجية التي يعتمد عليها أي مشروع تعمير مستقبلًا.

​انحراف المسار الأخلاقي تحول ضحايا الحروب الأهلية الداخلية إلى مرتزقة عابرين للحدود دفاعاً عن مصالح أجنبية.

​تفاقم المآساة الأسرية: تزايد أعداد المفقودين والمعاقين والقتلى بلا ذنب سوى محاولة الهروب من جحيم الفقر.

​إن هذه المأساة الإنسانية الصارخة ليست مجرد خبر عابر، بل هي صرخة إنذار مبكر وموجع. فإلى متى يظل الشاب السوداني رهينة بين مطحنة الحرب الداخلية ومخالب عصابات الموت الدولية، ألا يستحق هذا الجيل وطناً يحتضنه بدلاً من أن يدفع به إلى محارق الهلاك بحثاً عن لقمة عيش غدت عزيزة؟.