نحو تقييم موضوعي للمشروعات وأسباب النجاح والتعثر

بروفيسور: كمال الدين محمد فضل فضل-محطة بحوث الأبيض.

يمثل الصمغ العربي أحد أهم الموارد الإقتصادية والبيئية في السودان، وقد ظل تطويره محورًا لعدد من السياسات والمشروعات الوطنية والدولية. وفي هذا الإطار أُعدت الإستراتيجية الوطنية للصمغ العربي والأصماغ الطبيعية الأخرى 2020–2030، والتي تضمنت مجموعة من المشروعات والبرامج الهادفة إلى تطوير الإنتاج والتسويق والتصنيع والقيمة المضافة وتحسين البيئة والسياسات المرتبطة بالقطاع.

ومن هنا فإن تقييم الإستراتيجية ينبغي ألا يقتصر على إستعراض أهدافها وما ورد فيها من برامج، وإنما يجب أن يبدأ بالسؤال الأهم: كم عدد المشروعات التي تضمنتـها الإستراتيجية؟ وكم منها تم تنفيذه؟ وكم منها لم ينفذ؟ وما النتائج التي حققتها المشروعات المنفذة؟

والأهم من ذلك: هل تم تقييم هذه المشروعات بصورة علمية وموضوعية لمعرفة مواطن النجاح والخلل، وأسباب النجاح أو التعثر، والدروس التي يمكن الإستفادة منها عند تنفيذ المشروعات القادمة؟

فالنجاح لا يقاس بمجرد تنفيذ أنشطة المشروع أو انتهاء الفترة الزمنية المحددة له، وإنما بمدى تحقيق النتائج والأثر الذي أنشئ المشروع من أجله. كما أن تعثر أي مشروع يحتاج إلى تحليل أسبابه: هل كان بسبب التمويل، أم ضعف الإدارة والمتابعة، أم عدم ملاءمة تصميم المشروع لظروف مناطق الإنتاج، أم ضعف مشاركة المنتجين، أم ضعف التنسيق المؤسسي، أم الظروف الإقتصادية والأمنية والسياسية؟

ومن الضروري كذلك تصنيف المشروعات إلى مشروعات إكتملت، وأخرى نفذت جزئيًا، وأخرى توقفت، وأخرى لم تبدأ، مع تحديد نتائج كل فئة وأسباب ما آلت إليه.

وفي هذا السياق يأتي القرار الوزاري رقم (41) لسنة 2026م بتشكيل الفريق الفني الوطني لتطوير وتنمية قطاع الصمغ العربي وتعزيز تنافسيته. وقد شملت إختصاصاته مراجعة واقع القطاع والإنتاج والإنتاجية والحصاد والجودة والتداول والتخزين والمواصفات والتسويق والصادرات والتصنيع والقيمة المضافة والسياسات والإستثمار، إضافة إلى الخصائص الوظيفية والتغذوية للصمغ العربي بما فيها البربايوتك.

ويكتسب القرار أهمية خاصة لأنه يمكن أن يمثل فرصة لإجراء مراجعة للإستراتيجية القائمة قبل الإنتقال إلى أي إستراتيجية جديدة، بحيث لا تقتصر المراجعة على صياغة أهداف أخرى، وإنما تحدد بصورة دقيقة ما تم إنجازه وما لم يتم إنجازه، وأسباب ذلك، ومدى تحقيق المشروعات المنفذة لأهدافها.

ومن القضايا التي تستحق الوقوف عندها أيضًا تمثيل المؤسسات البحثية المتخصصة. فمن المهم الإشارة بوضوح إلى أن هيئة البحوث الزراعية لم تكن ممثلة في إعداد الإستراتيجية، رغم أن الهيئة تضم مركز بحوث الغابات والصمغ العربي الذي يمثل إحدى أهم المؤسسات السودانية ذات الخبرة المتراكمة في هذا المجال.

وتعود جذور العمل البحثي في مجال الغابات والصمغ العربي إلى عقود مبكرة؛ فقد بدأ العمل في مجال بحوث الغابات منذ منتصف القرن الماضي، ثم تطور العمل البحثي المؤسسي، وإنتقلت بحوث الغابات إلى هيئة البحوث الزراعية في سبعينيات القرن الماضي. وقد تراكمت لدى مركز بحوث الغابات والصمغ العربي خبرات طويلة في بحوث أشجار الهشاب والطلح، والإنتاج والحصاد وإدارة الموارد، وهو ما يجعل إشراكه بصورة مؤسسية فاعلة أمرًا مهمًا عند تقييم مشروعات الإستراتيجية وتصميم وتنفيذ المشروعات المستقبلية.

إن القضية هنا ليست مجرد إضافة مؤسسة إلى قائمة المشاركين، وإنما الإستفادة من التراكم العلمي والتجارب والبيانات الميدانية التي تكونت خلال عقود، وربطها مباشرة بمشروعات تطوير القطاع.

ومن ناحية أخرى، أصبح موضوع Codex جزءًا مهمًا من المرحلة الحالية؛ فقد تناول القرار رقم (41) مسار المواصفات الفنية للصمغ العربي، إلى جانب الخصائص الوظيفية والتغذوية للصمغ العربي بما فيها البربايوتك. ولذلك فإن هذا المسار يحتاج إلى عمل علمي وفني منظم يستند إلى البيانات والتحاليل والدراسات السودانية.

ولذلك فإن المطلوب الآن هو الانتقال من الحديث العام عن الإستراتيجية إلى برنامج تنفيذي قابل للقياس والتقييم، ويمكن أن تركز المرحلة القادمة على خمس توصيات أساسية:

أولًا: إجراء تقييم شامل لمشروعات إستراتيجية 2020–2030، يتضمن حصر جميع المشروعات وتصنيفها إلى منفذ، ومنفذ جزئيًا، ومتوقف، وغير منفذ، مع تحديد التكلفة والنتائج والأثر وأسباب النجاح أو التعثر.

ثانيًا: إنشاء قاعدة بيانات وطنية لمشروعات الصمغ العربي تتضمن نتائج كل مشروع ومؤشرات الأداء والدروس المستفادة، بحيث لا يبدأ أي مشروع جديد من نقطة الصفر، وإنما يبنى على نتائج المشروعات السابقة.

ثالثًا: ضمان تمثيل مؤسسي فاعل لهيئة البحوث الزراعية ومركز بحوث الغابات والصمغ العربي في مراجعة وتنفيذ مشروعات الإستراتيجية، والإستفادة من خبرتهما التاريخية والبحثية، مع ربط البحث العلمي مباشرة بإحتياجات المنتجين وسلسلة القيمة.

رابعًا: وضع خطة وطنية متكاملة لمسار Codex تشمل إعداد الملف العلمي والفني، وتوفير نتائج التحاليل والدراسات المطلوبة، ومتابعة الإجراءات الدولية الخاصة بمواصفات الهشاب والطلح، والإستفادة من البحوث السودانية في دعم الموقف الفني للسودان.

خامسًا: إنشاء آلية مستقلة للمتابعة والتقييم ترفع تقريرًا دوريًا عن تنفيذ الإستراتيجية، بحيث يكون لكل مشروع مؤشرات واضحة للمدخلات والأنشطة والمخرجات والنتائج والأثر، مع مراجعة دورية لتحديد مواطن الخلل وتصحيح المسار قبل انتهاء المشروع.

إن السودان يمتلك خبرة علمية وميدانية تراكمت عبر عقود، كما يمتلك استراتيجية ومشروعات وتجارب سابقة. والتحدي الحقيقي الآن ليس في إعداد وثيقة جديدة بقدر ما هو في التعلم من التجربة السابقة.

فالسؤال الذي ينبغي أن يكون في مقدمة أعمال الفريق الفني الوطني هو: كم مشروعًا تحقق؟ وكم مشروعًا لم يتحقق؟ ولماذا؟ وما الذي نجح؟ وما الذي أخفق؟ وهل إستفدنا من نتائج التقييم في تصميم المشروعات التالية؟

والإجابة العلمية عن هذه الأسئلة هي المدخل الحقيقي لتحويل إستراتيجية الصمغ العربي من وثيقة تحتوي على مشروعات وأهداف إلى برنامج وطني قابل للتنفيذ والقياس والمساءلة، يرفع إنتاجية المنتج، ويحسن جودة الصمغ، ويدعم التصنيع والقيمة المضافة، ويعزز موقع السودان في الأسواق العالمية.