بقلم: أسامة العوض..

هناك معضلة كبرى، صامتة، لكنها أخطر من كل معضلاتنا الإدارية في السودان، تعاني منها جميع مؤسسات الدولة بلا استثناء: بنوك، وزارات، هيئات، ومؤسسات خدمية مثل الكهرباء والمياه والاتصالات والمحليات وغيرها.


المعضلة هي: فشل الاتصال والتواصل مع صاحب المصلحة.


العميل، المواطن، دافع الضرائب، دافع الرسوم، دافع الزكاة، دافع فاتورة الكهرباء المضاعفة، ودافع فاتورة المياه، هو من يمول هذه المؤسسة، وهو من يدفع رواتب موظفيها، من الوزير إلى الغفير.


ومع ذلك، عندما يريد خدمة من هذه المؤسسات، يلهث نحوها مُكرهاً، خائفاً، متوسلاً، كأنه يطلب صدقة، لا كأنه يطلب حقاً مدفوع الثمن مقدماً.


هذه هي المفارقة المؤلمة.


أين يكمن الإخفاق؟


الإخفاق ليس في عدم وجود إدارات للإعلام والعلاقات العامة، فكل مؤسسة الآن لديها إدارة إعلام، ولديها صفحة على فيسبوك، ولديها ناطق رسمي، لكنها إدارات ديكور لا تمارس اتصالاً حقيقياً مع العملاء وأصحاب المصلحة، وهم الشريحة الأهم التي يجب توسيع دائرة التواصل معها، والوقوف على مشاكلها عن قرب والاستماع إليها ، وحتى مع منسوبي المؤسسة نفسها من العاملين أفقياً ، هناك فجوة كبيرة بين الإدارة والقيادة والعاملين.


ثم إن الإخفاق يكمن أيضاً في المفاهيم الأساسية للاتصال المؤسسي الحديث، في كيف تخاطب المؤسسة جمهورها وهي :


أولاً: مفهوم العميل هو الملك Customer is King

في كل العالم، تتنافس البنوك والمؤسسات لكسب رضا العميل. أما عندنا في السودان ننفر منه وننفره، فالمؤسسة تتعامل مع العميل كأنه عبء، الموظف يجلس خلف الزجاج وكأنه يمُنُّ على المواطن، ومفهوم تجربة العميل Customer Experience غائب تماماً، لا يوجد قياس للرضا، ولا يوجد استبيان بعد الخدمة، ولا يوجد رقم للمتابعة. فالمعاملة تنتهي بانتهاء الصف واستلام الرسوم.


ثانياً: مفهوم الاتصال الاستباقي Proactive Communication

مؤسساتنا لا تتواصل إلا بعد وقوع الكارثة. الكهرباء لا تخبرك أنها ستُقطع، بل تقطع فجأة ثم تبرر، والمياه لا تخبرك أن هناك صيانة، بل تختفي ثم تعتذر. والبنك لا يخبرك أن النظام متوقف، فتذهب وتقف في الصف ساعات ثم يقال لك: "السيستم واقع"، وتكتشف عبر تطبيقه أنه خصم أموالاً حولها العميل ولم تكتمل دائرة الإجراء، وهنا يحضر "الطناش"، فيصبح العميل في حيرة من أمره، كما يحدث عندنا اليوم.


إن الروح الإعلامية الحقيقية هي أن تسبق الحدث برسالة نصية قصيرة: "عزيزنا العميل، سيتم قطع الكهرباء غداً من الساعة الثامنة حتى الثانية عشرة للصيانة، نعتذر". هذه الرسالة البسيطة تكسبك احترام العميل بدلاً من سخطه، لكننا نفتقدها.


ثالثاً: مفهوم التقارب والتعاطف Empathy

الموظف الحكومي لا يضع نفسه مكان العميل. فالعميل جاء من أم درمان إلى الخرطوم، ودفع ثمن المواصلات، وترك عمله، ووقف في الشمس، بينما يتعامل معه الموظف ببرود إداري: "تعال بكرة"، "المدير ما جا"، "الشبكة طاشة"، أو يلجأ إلى التسويف والمماطلة، وهذه حقيقة لا ينكرها إلا مكابر.


التقارب يعني أن تفهم أن وقت العميل أغلى من وقتك، لأن وقته هو مال يدفعه لك.


رابعاً: مفهوم الشفافية التوضيحية

لماذا ارتفعت رسوم الخدمة؟ لماذا تأخرت المعاملة؟ لماذا تم رفض الطلب؟ لا أحد يوضح. القرارات تنزل كأحكام قضائية بلا حيثيات. المواطن يريد أن يفهم، وإذا فهم سيرضى حتى لو كان القرار ضده. فالغموض يولد الشائعات والكراهية تجاه المؤسسة.


ما هو الحل؟


الحل ليس دورة تدريبية في العلاقات العامة، بل هو تغيير العقيدة والفكرة:


أولاً: إعادة تعريف من هو صاحب المصلحة؟

يجب أن تدرك كل مؤسسة أن صاحب المصلحة ليس الوزير، بل المواطن طالب الخدمة وصاحب الحاجة. فالوزير سيذهب غداً، والمواطن باقٍ، وهو الممول الحقيقي لبقاء المؤسسة وجودياً .


ثانياً: تحويل إدارات الإعلام من إدارات تلميع إلى إدارات اتصال ثنائي الاتجاه Two-Way Communication

مهمتها ليست نشر صور المدير أو الوزير وهو يفتتح مشروعاً أو يقص شريطاً، بل هو الاستماع لشكاوى العملاء على فيسبوك وتويتر وواتساب والرد عليها خلال ساعة، لا خلال أسبوع، وعدم تهميشها دون رد كما يحدث الآن من جانب مؤسسات الدولة .


ثالثاً: الاستثمار في تقنيات التواصل الرخيصة

إنشاء مركز اتصال موحد يعمل 24 ساعة، وتفعيل واتساب للأعمال للرد الآلي، وتطبيق على الهاتف يوضح حالة الخدمة، ولوحة إعلانات إلكترونية داخل الصالة توضح زمن الانتظار ، ومفاهيم عامة عن الخدمة وشروطها، هذه ليست رفاهية، بل هي الخدمة نفسها.


أخيراً وليس آخراً:


المؤسسة التي لا تكسب رضا عميلها ستموت ولو كانت حكومية.


لأن المواطن السوداني اليوم لم يعد ذلك المواطن الصابر إلى الأبد، لديه بدائل، ولديه صوت في وسائل التواصل الاجتماعي قادر على هدم سمعة مؤسسة بُنيت في ثلاثين سنة في يوم واحد.


فرفع وتيرة التواصل والاتصال يقلل من مساحة الانتهازية والواسطة والمحسوبية وثقافة "عاوز لي زول شغال في الحتة الفلانية يخدمني"، ولا بد لهذه الثقافة وتلك المناداة أن تنتهي .

ثم اصعب قرار من المؤسسة هو إغلاق الأبواب أمام الجماهير ، فهو ظاهرة متوارثة ، وانعكاسها ومردودها سلبي جدا على نفسية أصحاب الخدمة والمصلحة ، فلا تغلقوا باباً أمام طالب خدمة ،فهو سلوك منفر ، ينعكس على الصورة الذهنية للمؤسسة.


كسب رضا العميل ليس مِنّة منكم.. بل هو جوهر وجودكم.


كتبه : أسامة العوض

التاريخ : 16/10/2026