طلعت دفع الله عبد الماجد...يكتب...
غابات السودان في غذاء الناس ومعاشهم...
حين يُحضَّر شراب التبلدي أو العرديب، أو تؤكل حفنة من النبق، تكون للشجرة حصة في المائدة السودانية. وقد تصل هذه الحصة بطريق آخر؛ فثمن الصمغ أو العسل يستطيع أن يشتري للأسرة حبوبًا وزيتًا، وأوراق الأشجار التي ترعاها الماشية تسهم في إنتاج اللبن واللحم. هكذا تتصل الغابة بغذاء الناس عبر تفاصيل مألوفة، قد لا نلتفت إليها حين نحسب المحاصيل أو نتحدث عن الإنتاج الزراعي.
هذه الصلة هي ما يتناوله كتاب «الغابات من أجل الغذاء» الصادر عن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو» و«لاندسكيب ألاينس» عام 2026. وتكشف التجارب الإفريقية التي يعرضها عن وجوه متعددة لمساهمة الغابات في حياة الأسر، وتتيح لنا أن نقرأ موارد السودان من زاوية أقرب إلى احتياجات الناس. فالكتاب لا يقدم دراسة خاصة بالسودان، لكنه يثير أسئلة تهمنا عن الغذاء الذي نجمعه، والدخل الذي نحصل عليه، وما يلزم لاستمرار هذه الموارد.
ويتسع مجال هذه الأسئلة بتنوع البيئات السودانية؛ من الصحراء شمالًا، حيث يرتبط وجود الأشجار بمواقع توافر الماء، مرورًا بأحزمة السافانا الجافة، إلى السافانا الأغنى بالمطر والغطاء الشجري في الأطراف الجنوبية، فضلًا عن الغابات النهرية ومناطق الجبال. ولكل بيئة أشجارها ومواسمها وطرائق الانتفاع بها. لذلك لا يمكن أن تكون تنمية منتجات الغابات برنامجًا واحدًا يتكرر في كل مكان؛ فما تحتاجه قرية تعتمد على التبلدي يختلف عما يحتاجه منتجو الصمغ أو مربو النحل أو الرعاة.
وتبدأ قيمة هذا التنوع من الوجبة اليومية. فالحبوب تسد جانبًا كبيرًا من حاجة الناس إلى الطعام، وتضيف إليها بعض الثمار والأوراق والبذور مغذيات ونكهات لا توفرها الوجبة المحدودة بالمقدار نفسه. وتزداد أهمية هذه الإضافات حين يقل المحصول أو ينفد المخزون قبل الموسم الجديد. عندئذ قد تساعد منتجات الأشجار الأسرة على تنويع طعامها أو شراء ما ينقصها، وإن ظلت قدرتها على ذلك مرتبطة بالموسم وحالة المورد وإمكان الوصول إليه.
في زامبيا، أظهر مسح لأسر ريفية أن جمع الثمار البرية كان ممارسة تكاد تشمل جميع الأسر المشاركة، وأن ما تأكله منها يمثل جزءًا معتبرًا من استهلاكها السنوي للفاكهة. وكانت الأوراق والخضروات البرية والفطر حاضرة أيضًا في غذائها. وتنبع أهمية التجربة من أنها قاست ما تجمعه الأسر وتأكله فعلًا، فأظهرت قيمة غذاء لا يمر كله بالأسواق ولا يظهر كاملًا في حسابات الدخل.
وهذا جانب يستحق عناية أكبر في السودان. فحصر قيمة النبق أو القضيم أو اللالوب فيما يُباع منها يترك خارج الحساب ما يؤكل في البيوت وما يتبادله الناس. وقد تكون الكمية صغيرة في كل مرة، لكنها تتكرر خلال الموسم وتوفر على الأسرة بعض نفقاتها. ومن المفيد أن تسأل مسوح الغذاء عن هذه المنتجات كما تسأل عن الحبوب واللحوم والخضروات المشتراة، وأن تعرف متى تتوافر ولمن تصل، حتى يصبح تقدير دورها أقرب إلى الحياة اليومية.
وتضيف تجربة إثيوبيا بُعدًا آخر؛ إذ وجدت دراسة في إحدى المناطق المعرضة لنقص الغذاء أن الخضروات البرية كانت من أكثر الأغذية البرية جمعًا واستهلاكًا، وأسهمت في مساعدة الأسر على مواجهة الشح. ويشير الكتاب أيضًا إلى جمع نباتات غذائية من أطراف الغابات وحواف الحقول، وإلى نقل بعضها إلى محيط البيوت والمزارع. وهذا يوسع مجال العمل عندنا ليشمل الأشجار والنباتات النافعة خارج حدود الغابات المحجوزة، حيث يمكن حمايتها أو إكثارها بالقرب ممن ينتفعون بها.
ومن هنا تتصل العناية بغذاء الغابات بإدارة الحقل والمرعى. فالإبقاء على الأشجار الملائمة داخل المزارع وحولها قد يوفر ثمارًا أو علفًا، ويساعد على حماية التربة وتخفيف أثر الرياح، بحسب النوع والموقع وطريقة الإدارة. وفي المناطق الرعوية، تستمر منفعة بعض الأشجار حين تجف الأعشاب، فتسهم في تغذية الحيوان الذي تعتمد عليه الأسرة. ويقتضي نجاح هذا الجمع بين الأشجار والزراعة والرعي معرفة محلية بمواعيد الاستعمال، وبما يحتاجه الشجر من حماية كي يتجدد.
وحين ينتقل المنتج من البيت إلى السوق، تظهر له قيمة أخرى. ففي منطقة بوندو بالسنغال، ساعد تسويق ثمار الباوباب، الذي نعرفه في السودان باسم التبلدي، السكان على التكيف مع تقلبات المناخ والقيود المفروضة على الصيد في المناطق المحمية. وارتبط الدخل من بيع الثمار بتحسن أمنهم الغذائي. وللتبلدي قيمة غذائية أيضًا؛ فلب ثمرته مصدر لفيتامين «ج»، وتؤكل أوراقه في بعض المجتمعات الإفريقية. وتجمع الشجرة بذلك بين طعام ينتفع به الناس وعائد يتيح لهم شراء أغذية أخرى.
ويقودنا ذلك إلى التفكير في رحلة الثمرة السودانية بعد جمعها. فقد يبدأ تحسين العائد من فرز جيد، وتجفيف يحفظ الجودة، وعبوة تحمي المنتج، ومكان تخزين يقلل الفاقد. وتحتاج هذه الخطوات إلى تدريب وأدوات ميسورة ومشترٍ يعرف جودة ما يشتريه. أما التوسع في التسويق فيستدعي متابعة ما يبقى للمنتج من الثمن، وما تحتفظ به الأسرة لغذائها، وما تستطيع الأشجار أن تعطيه دون إنهاك. فارتفاع المبيعات وحده لا يكشف كيف توزعت المنفعة.
ويبرز الصمغ العربي في السودان ضمن هذا الفهم الواسع للصلة بين الغابات والغذاء. فالعائد الذي يحصل عليه المنتج قد يسهم في نفقات طعام أسرته، حتى عندما يكون المنتج نفسه متجهًا إلى أسواق بعيدة. ومن ثم تكتسب كلفة الإنتاج والنقل، وفرص التخزين، ونصيب المنتج من سعر البيع، أهمية تتجاوز التجارة إلى معيشة الأسرة. وهي مسائل تستحق أن تُقرأ إلى جانب المحافظة على أشجار الهشاب والطلح وتجددها.
وللعسل قصة قريبة. ففي غابات الميومبو بزامبيا، كان مربو النحل الذين يبيعون العسل أكثر ميلًا إلى الإبلاغ عن كفاية غذائهم مقارنة بغير المشتغلين بتربية النحل. وفي دراسة بجنوب إفريقيا، ارتبط اشتغال نساء ريفيات بجمع العسل بارتفاع الدخل وتنوع الغذاء. وتوحي هذه التجارب بفرص تستحق الدراسة في مناطق السودان المناسبة لتربية النحل، مع الاهتمام بمهارة النحال، ونظافة المنتج، ووسائل حفظه وتسويقه، وبقاء الأشجار التي يعتمد عليها النحل.
لكن طريقة الحصول على العسل قد تهدد هذا المورد نفسه؛ فقد سجلت تجربة في موزامبيق قطع أشجار أثناء جمعه. لذلك يرتبط تحسين الإنتاج بتعلم طرائق حصاد تحافظ على الأشجار، وبإدارة المناحل ومراعي النحل على نحو يسمح باستمرارها. وما ينطبق على العسل يفتح سؤالًا أوسع عن جمع الثمار والأوراق واللحاء: أي الممارسات تتيح دخلًا اليوم وتترك للشجرة قدرة على العطاء في المواسم التالية؟
وتظهر أهمية تنظيم العمل في التجربة المغربية، حيث تشارك تعاونيات نسائية في تجهيز منتجات الأركان وتسويقها. ويعرض الكتاب هذه التجربة ضمن توجه يربط الانتفاع بالغابات بإشراك سكانها وتحسين فرصهم الاقتصادية. وللسودان أن يستفيد من هذا الجانب في تنظيم منتجي الثمار والصمغ والعسل، وفق ظروف كل منطقة. ويمكن للتعاون أن ييسر امتلاك أدوات مشتركة، وتحسين التخزين، والوصول إلى المشترين، على أن يكون لمن يجمعون المنتج ويجهزونه صوت في القرارات ونصيب معلوم من العائد.
وتستحق خبرة النساء موقعًا واضحًا في هذا العمل. فمعرفة موعد نضج الثمرة، والجزء الذي يصلح للأكل، وطريقة التجفيف أو الحفظ، تؤثر مباشرة في جودة الغذاء وقيمته. وفي مجتمعات ريفية كثيرة تحمل النساء جانبًا كبيرًا من هذه المعرفة ومن أعباء الجمع والتجهيز. ولهذا ينبغي أن يتيح لهن دعم الإنتاج وقتًا أقل مشقة وعائدًا أفضل، وأن يحفظ مشاركتهن حين يتسع السوق ويجذب متعاملين جددًا.
وتقدم المغرب مثالًا آخر يتصل بعلاقة الغابة بالرعي؛ إذ يعرض الكتاب آلية لتعويض مجموعات من المنتفعين مقابل وقف الرعي مؤقتًا في مناطق التشجير أو التجدد. ويساعد التعويض على تدبير احتياجاتهم خلال فترة الحماية. وهذا درس جدير بالنظر في البيئات السودانية الرعوية، لأن قرار إغلاق مساحة يحتاج إلى اتفاق مع من يعتمدون عليها، وإلى تدبير العلف والماء خلال الإغلاق. وكلما اتضحت الحقوق وتقاسم الناس كلفة الحماية ومنفعتها، أصبحت مشاركتهم أيسر واستمرارها أقرب.
وتزداد حساسية هذه العلاقة عندما يكون المورد غذاءً يصعب تعويضه. ففي مجتمعات من حوض الكونغو، أظهرت الدراسات أهمية الأسماك المحلية واللحوم البرية في غذاء الأطفال، وخصوصًا لدى الأسر محدودة الدخل. وفي المقابل، يضغط الصيد التجاري والطلب الحضري على الحياة البرية. وتدعو هذه الخبرة إلى مراعاة غذاء السكان عند حماية الموارد، وتوفير بدائل مناسبة حين يلزم تقييد الانتفاع بها. أما في السودان، فتحتاج كل حالة إلى فهم مواردها وعاداتها الغذائية، مع عناية خاصة بالموائل النهرية التي تربط صحة الغطاء النباتي بالماء والثروة السمكية.
والاختلاف بين هذه البيئات يذكرنا بأن العادات الغذائية جزء من قيمة المنتج. فما تألفه جماعة من أوراق أو فطر أو جذور قد لا تعرفه جماعة أخرى، وقد تتوقف سلامة تناوله على معرفة دقيقة بطريقة إعداده. والاستفادة من التجارب الإفريقية تبدأ بفهم ما يعرفه الناس ويقبلونه، ثم دراسة ما يمكن تحسينه أو إضافته. وتساعد هذه المعرفة على اختيار منتجات قابلة للاستخدام اليومي، بدل أن تظل فوائدها محصورة في قوائم لا تجد طريقها إلى الطعام.
ويمتد الأمر إلى النباتات المستخدمة في الطب الشعبي. فالمعرفة المتوارثة بها تستحق التوثيق والبحث، مع التمييز بين الاستعمال التقليدي والفعالية العلاجية المثبتة. وقد يكون النبات ذا قيمة غذائية، لكن ذلك وحده لا يثبت أنه يعالج مرضًا؛ كما أن الجزء المأكول والمستخلص المركز منه قد يختلفان في الأثر والسلامة. ويمكن للجامعات ومراكز البحوث أن تصل معرفة الأهالي بالدراسة العلمية، فتتحقق من هوية النباتات وطرائق تحضيرها، وتختبر ما يستحق البحث من استعمالاتها، وتحفظ لأصحاب المعرفة حقهم في نسبتها إليهم.
وتبقى للطعام حاجة قد تغيب عن هذا النقاش، هي الطاقة اللازمة لإعداده. فالأسرة تحتاج إلى وقود تطهو به ما تجمعه أو تشتريه، وتوفر الأشجار هذه الحاجة في مناطق واسعة من إفريقيا. غير أن جمع الحطب يستغرق وقتًا وجهدًا، وقد يؤدي استعماله داخل المنازل إلى التعرض للدخان. ولهذا تدخل المواقد الأكثر كفاءة ومصادر الطاقة الأنظف الميسورة ضمن تحسين الغذاء والمعيشة، ويمكن أن تخفف الضغط على الأشجار متى استطاعت الأسر تحمل كلفتها واستعمالها وصيانتها.
وفي فترات الجفاف واضطراب سبل العيش، يزداد احتياج الناس إلى موارد قريبة يستطيعون الانتفاع بها. وقد تساعدهم الغابات على تجاوز جانب من العسر، لكنها تتعرض هي الأخرى لضغط الجمع والقطع حين تضيق البدائل. ومن هنا تبرز أهمية حمايتها قبل الأزمة، ومساندة المجتمعات التي تعتمد عليها أثناءها، حتى لا يؤدي تدبير طعام موسم واحد إلى فقدان مورد تستند إليه الأسر سنوات طويلة.
وتتيح هذه الدروس مدخلًا عمليًا للسودان يبدأ من عدد محدود من المنتجات في بيئات مختلفة. يجتمع الباحثون والعاملون في الإرشاد مع المنتجين لمعرفة ما يؤكل وما يباع، ومتى يقل المعروض، وأين يحدث الفاقد. ثم تُختبر تحسينات بسيطة في الجمع والتجفيف والتخزين، وتُتابع فائدتها للأسرة وأثرها في تجدد المورد. ويصبح الإرشاد أكثر قربًا من الناس حين يساعد على حل مشكلة يواجهونها في موسمهم، ويتيح لهم تجربة الحل والحكم عليه.
بهذا الفهم، تعود منتجات الغابات إلى مكانها ضمن شؤون الغذاء والزراعة والتنمية الريفية. ففي كل منطقة سودانية يمكن البحث عن الشجرة التي يعرفها الناس، والمشكلة التي تحد من انتفاعهم بها، والعمل الذي يحسن عائدها ويحفظ بقاءها. وحين تجد الأسرة غذاءً أجود أو دخلًا أنفع من شجرة قائمة، وتطمئن إلى حقها في ثمار جهدها، تصبح حماية الغابة مصلحة قريبة تراها في حياتها كل يوم.
المرجع
FAO and Landscape Alliance. 2026. Forests for food – Nourishing people, sustaining the planet. Rome, FAO. https://doi.org/10.4060/cd3592en
المواضع الأساسية المستند إليها: الصفحات من 16 إلى 28، ومن 35 إلى 45، ومن 119 إلى 124، بحسب ترقيم الكتاب المطبوع.
هذه معالجة عربية مستقلة للمادة المرجعية نتحمل المسئولية في ذلك، ولم تُعدّها الفاو، ولا تتحمل المنظمة مسؤولية محتواها أو دقتها. وتبقى الطبعة الإنجليزية الأصلية هي المرجع المعتمد.