مصعب محمد خير...يكتب..

قبل أيام تابعت إحدى جلسات صالون سمعريت الثقافي، والتي أظن أنها أُقيمت في تنقاسي. وقد بدت هذه الجلسة مختلفة عن سابقاتها؛ سواء من حيث الحضور النوعي، أو حسن الإعداد، أو جودة الإنتاج الإعلامي الذي صاحبها، وهو ما يعكس تطورًا واضحًا في تجربة هذا الصالون الثقافي.

غير أن أكثر ما دفعني إلى الكتابة اليوم كان حضور الشاعر الجميل الحاج محمد سري الختم، أو كما يعرفه الجميع بـ"الحاج وفاء". ذلك الرجل الذي أحب دائمًا لقاءه والاستماع إلى حديثه، ولا أدري سر هذا الشعور، لكنه إحساس يشترك فيه كثير من أبناء تنقاسي، فحديث الحاج يأخذك بعيدًا، ويمنحك متعة لا تشبه سواها.

والكتابة عن الحاج سري الختم ليست بالأمر اليسير، فهي تحتاج إلى لغة تليق بقامته، وإلى مفردات تستطيع أن تقترب من عالمه دون أن تدّعي الإحاطة به. فالكتابة عنه رحلة مليئة بالشجن والشغف، تستدعي الأدب قبل القلم.

الحاج محمد سري الختم "الحاج وفاء".. شاعر تسكنه المحبة وتفيض من كلماته العذوبة.

ما بين "وفاء" و"أحلام" و"نجلاء"، وما بين عشرات الحكايات التي سكنت قصائده، تتشكل عوالم شاعر لا يكتب الكلمات عبثًا، ولا ينثر الحروف كيفما اتفق، وإنما ينسج من إحساسه قصائد، ومن تجاربه حكايات، ومن محبته للناس والحياة أبياتًا تبقى عالقة في الذاكرة.

عرفه الناس في تنقاسي وما جاورها، بل تجاوز صيته حدود المنطقة، وأصبح لقب "الحاج وفاء" عنوانًا لعالم كامل من المشاعر الصادقة. فهو صاحب الكلمة "السنينة"، يعرف كيف ينتقي مفردته، ويضعها في مكانها الصحيح، حتى تبدو القصيدة وكأنها ولدت مكتملة.

الحاج وفاء ليس شاعرًا يكتب الشعر فحسب، بل هو صاحب تجربة إنسانية عميقة. تشعر وأنت تستمع إلى قصائده أن وراء كل بيت قصة، ووراء كل قصيدة ذكرى، ووراء كل حرف إحساسًا عاشه أو رآه أو سمعه، فجعل من الشعر لغة أخرى للحياة.

وفي قصائده تتداخل الأسماء مع المعاني، فيصبح الاسم رمزًا، والرمز حكاية، والحكاية قصيدة. وتلك إحدى أجمل ميزاته؛ قدرته على تحويل التفاصيل الصغيرة إلى صور شعرية نابضة بالحياة، وجعل المشاعر الخاصة قريبة من وجدان الجميع.

أما "وفاء"، فهي ليست مجرد اسم في شعره، وإنما معنى متجذر في وجدانه، وقصة عشق تركت أثرها في قصائده، بل وفي ذاكرة تنقاسي نفسها، حتى ارتبط اسمها بأماكن لا تزال تستحضر تلك الحكاية، ومنها استديو "ود التركي".

المحبة والعشق حاضران في معظم نصوصه، لكنهما لا يبدوان مجرد عاطفة بين شخصين، وإنما يتحولان إلى حالة إنسانية أوسع؛ محبة الناس، ومحبة الأرض، ومحبة الذكريات، ومحبة التفاصيل الصغيرة التي تمنح الحياة معناها.

ومن أكثر ما يميز الحاج سري الختم رصانة الكلمة. فهو لا يحتاج إلى المبالغة ليؤكد حضوره، ولا إلى الزخرفة اللفظية ليجذب الانتباه. كلماته واضحة، صادقة، قوية، تعرف طريقها إلى القلب قبل الأذن.

ولست من أهل الشعر ولا من بيوت الأدب، لكنني أجد نفسي دائمًا مشدودًا إلى الاستماع لما يكتبه الحاج وفاء. فالرجل يمتلك قدرة نادرة على ملامسة الإنسان من الداخل، لأنه يكتب من منطقة قريبة من الناس؛ من أفراحهم وأحزانهم، ومن حبهم واشتياقهم، ومن ذكرياتهم وأحلامهم. لذلك يجد المستمع نفسه داخل القصيدة، وكأن الشاعر يتحدث بلسانه ويعبر عما عجز هو عن قوله.

ولدى الشايقية ظل الشعر مساحة للبوح، ومجلسًا للذكريات، وطريقًا لاستعادة الوجوه والأماكن والأيام، والحاج وفاء واحد من أبناء هذه البيئة الذين حملوا روحها في قصائدهم، فكان شعره امتدادًا لذاكرتها ووجدانها.

وإذا كان لكل شاعر بصمته الخاصة، فإن بصمة الحاج سري الختم تكمن في تلك الروح التي تجمع بين العاطفة والرصانة، وبين المحبة وقوة التعبير. يأخذك إلى عوالم العشق، ثم يعيدك إلى أرض الواقع، ويجعلك تبتسم لذكرى قديمة، أو تتوقف عند بيت شعر لأنك وجدت فيه شيئًا منك.

من "وفاء" إلى "أحلام"، ومن "نجلاء" إلى كل الأسماء التي عبرت ذاكرة الشاعر، تتشكل حكاية طويلة عنوانها الإنسان. فالقصيدة ليست حروفًا مصفوفة، وإنما حياة أخرى يعيشها الشاعر ويهب منها شيئًا للآخرين.

والحاج سري الختم، أو كما يحلو لمحبيه أن ينادوه "الحاج وفاء"، واحد من أولئك الشعراء الذين حافظوا على مكانة الكلمة، وصانوا للإحساس حضوره، وأبقوا للشعر هيبته.

إذا تحدث الحاج سري الختم حضر الشعر، وإذا حضرت المحبة وجدنا صوته، وإذا فتحت دفاتر الذكريات وجدنا بين صفحاتها شيئًا من كلماته.

ستظل القصيدة أجمل حين تخرج من قلب يعرف قيمة المحبة، وأصدق حين تلامس وجدان الناس، وأبقى حين تحمل روحًا تشبه روح الحاج وفاء، الذي جعل من الكلمة جسرًا بينه وبين الناس، ومن القصيدة مساحة للحب، ومن الحرف ذاكرة لا تنتهي.