محمد بابكر... يكتب...

​تتجاوز قمة العلمين التشاورية الرباعية التي انعقدة في الرابع من أكتوبر حيث جمعت قادة مصر السودان وإريتريا والصومال إطارها الدبلوماسي التقليدي لتشكل علامة فارقة في إعادة هندسة التوازنات الإقليمية.

ففي لحظة بالغة الحساسية تشهد توترات متصاعدة في القرن الأفريقي على خلفية القطيعة الدبلوماسية الإثيوبية الإريترية وتجدد القتال في تيغراي إلى جانب صراع الممرات البحرية في البحر الأحمر جاءت القمة لتضع الأحجار في أماكنها الصحيحة.

و​لم يكن الحضور السوداني ممثلا برئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان مجرد مشاركة عادية بل جاء ليؤكد أن السودان يمثل ركيزة الارتكاز لثلاث دوائر حيوية متقاطعة وهي دائرة النيل ودائرة البحر الأحمر ودائرة القرن الأفريقي.

وقد تجلت هذه الرمزية بقوة في الرسائل السياسية الحازمة التي أطلقها اللقاء الثنائي بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي و الرئيس السوداني الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان والتي وضعت خطوطا حمراء واضحة تقضي بأنه لا مساواة على الإطلاق بين الجيش الوطني الشرعي ومؤسسات الدولة من جهة وبين الميليشيات والكيانات الموازية من جهة أخرى.


​لقد حمل (إعلان العلمين المشترك) مضامين نارية تؤكد تمسك الدول الأربع بسيادة السودان ووحدة أراضيه ورفض أي تدخلات خارجية أو دعم للمرتزقة بالتوازي مع التزام صارم بحرية الملاحة وحوكمة البحر الأحمر وحماية الأمن المائي لمصر والسودان (دولتي مصب) في وجه أي سياسات أحادية وهو ما يعكس ترابط مصير الأمن المائي والاستراتيجي للدولتين في مواجهة أي محاولات لفرض أمر واقع يهدد مقدرات شعوبهما.

كما امتد التوافق ليشمل الصومال برفض أي مساس بسلامة أراضيه ودعم جهوده في مكافحة الإرهاب.

​إن أهمية قمة العلمين لا تكمن فقط فيما صدر عنها من بيانات بل في تأسيسها لآلية متابعة دورية وفعالة.

إنها لحظة اختبار حقيقي لشكل الإقليم حيث يثبت السودان مجددا أنه ليس طرفا منتظرا لقرارات العواصم بل شريكا أساسيا في تحديد مصير المنطقة واستقرارها.


​لقد أوضحت الحرب الشرسة الأخيرة التي فرضت على السودان أوضحت بجلاء أن مصر هي ظهر وسند للسودان وأن كل دولة تمثل عمقااستراتيجيا للأخرى.

وعليه وجب علينا كدولتي وادي النيل العمل سويا على كافة الأصعدة سياسيا واقتصاديا وأمنيا وعسكريا فلا فكاك لشعبي وادي النيل ومما يقتضيه الواقع تفعيل الاتفاقيات السابقة مع إضافة اتفاقيات أخرى توافق متطلبات المرحلة.


​في الختام لم تعد قمة العلمين مجرد محطة تشاور عابرة بل أضحت علامة فارقة ومنعطفا استراتيجيا حاسما.

إنها رسالة مدوية بأن أمن السودان وسيادته هما خط أحمر لا يمكن تجاوزه وبأن إرادة الدولة الوطنية ومؤسساتها العريقة وجيشها الباسل قادرة على كسر شوكة المؤامرات وهزيمة أوهام الميليشيات والمرتزقة.

لقد وضعت القمة اللبنة الصلبة لجدار صد إقليمي من حديد ونار ويبقى الرهان اليوم على صلابة هذه الآلية وفاعليتها الميدانية لترجمة هذا التوافق التاريخي إلى واقع ملموس يعيد للسودان وعموم الإقليم أمنهم واستقرارهم المنشود.