معاوية الجاك...يكتب..

عصر التفاهة..

السنوات الأخيرة من حياة السودان والشعب السوداني تستحق، وبجدارة، أن نطلق عليها (عصر التفاهة)، فقد سادت أسوأ المظاهر ألتي لا يمكن أن يتخيلها البشر أو يتوقع حدوثها يوماً ما، من سوء الأخلاق والانحطاط في مختلف مناحي الحياة.

جاءت الحرب التي قاربت ثلاث سنوات ونصف، وكنا نظن أنها ستغير كثيراً من المفاهيم الخاطئة، بل يمكن القول إنها كشفت أسوأ ما فينا وهذه حقيقة ظللنا نتهرب منها.

فقد طفت إلى السطح شخصيات لم يكن لها مقام وقيمة، ولم تكن لتجد لها مكاناً في مجتمع يحترم القيم والمعايير، ولو كانت فاسدة في السر، لما كان لها مقاماً وقيمة، ولظلت نسياً منسياً، وانزوت في ركنٍ قصي، ولكنها اليوم تتصدر المشهد وتتسيده، فيهابها المسؤولون ويحسبون لها ألف حساب.

ولو تابعنا بعض الذين يتصدرون المشهد، ويتخذون لأنفسهم مقاماً عالياً، لوجدنا أن الحرب، بكل مآسيها، كان يفترض أن تكون خير واعظ للسودانيين، وتدفعهم إلى مراجعة النفس، والوقوف مع المواطن، والتخفيف من معاناته، لكن البعض استغل المواقف فبرزت ظاهرة (تجار الأزمات) من مختلف شرائح المجتمع، وأصبحوا يتنقلون بحثاً عن النفوذ والمال الوفير.

وبعض السياسيين لم يقصروا، فمارسوا التفاهة من أوسع أبوابها، دون حياء، كما أن بعض القيادات السياسية التي تسيدت المشهد أكدت من خلال ممارساتها أنها دون مستوى الطموح، ومارست أشكالاً مؤسفة من الفساد الأخلاقي والسياسي والإداري، فكان المواطن البسيط هو الضحية الأولى لكل ذلك.

في كل دول العالم، الحكومات هي التي تساعد المواطنين وتحميهم وتوفر لهم أسباب الحياة الكريمة، إلا في السودان، فما يحدث هو العكس، فالمواطن هو الذي يساعد الحكومة وتعتمد عليه لتسبير نشاطها، وباختصار هو الذي يدفع ثمن كل شيء، وهو الذي تُسلَّط عليه الأزمات، وتُستنزف موارده، ويُطلب منه أن يدفع ثمن أخطاء الفاسدين وعجز المسؤولين.

كل ذلك يشكل قيمة هذا العصر الذي يمكن أن نطلق علي وبلا تردد، (عصر التفاهة).

ويكفي دليلاً على ذلك أن ملايين السودانيين يعيشون لاجئين اليوم في دول الجوار وغيرها، أسوأ ظروف الحياة، بينما يتلذذ بعض المسؤولين بالتجوال في عواصم الدول باسم هذا المواطن اللاجئ البسيط ويتحدثون باسمه، ويتصرفون وكأنهم يعيشون واقعاً مختلفاً تماماً عن واقعه.

إنه بحق، عصر التفاهة.

لكن هذا العصر يجب ألا يكون قدراً أبدياً على الشعب السوداني، ولا بد من ثورة حقيقية على كل مظاهر التفاهة والفساد والانحطاط، ثورة تعيد الاعتبار للقيمة والأخلاق والمسؤولية، وتضع الإنسان السوداني في مقدمة الأولويات.

نريد نهاية لهذا العبث وبداية لمرحلة جديدة يستعيد فيها السودان عافيته، ويستعيد فيها المواطن كرامته وحقه في الحياة، حتى نصل إلى سودان (آمِن وعادل)، يعيش فيه الإنسان محترماً وكريماً، لا مطارداً بالأزمات ولا ضحيةً لفشل الآخرين.