معاوية الجاك...يكتب...
استقالة رئيس الوزراء...
كان منظراً مؤلماً عكس وجسّد حجم المأساة التي يعيشها السودان والسيد رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس يهتف من قلب الأزمة، بعدم وجود أزمة بنزين، بينما هو نفسه وصل إلى قمة الأزمة، وهو ما يؤكد بطريقة أو بأخرى أن هناك أزمة حقيقية، أزمة لا تتعلق بنُدرة الوقود وحده، وإنما بأزمة الإدارة السياسية للدولة السودانية المنكوبة.
وهتاف رئيس الوزراء بهذه الطريقة يبدو كأنه محاولة لإرضاء وتطمين لرئيس مجلس السيادة بأن (الأمور طيبة) في وقت أصبح فيه كامل (عمدة بلا أطيان) كما ذكرنا من قبل، فبعد عودة الإشراف السيادي على الوزارات، ممثلًا في الفريق أول ركن شمس الدين كباشي والفريق إبراهيم جابر، تأكد بما لا يدع مجالًا للشك أن مساحة كامل إدريس في إدارة الدولة تضاءلت واصبحت محدودةً للغاية، وهي اشارة إلى أن الحكومة تعاني أزمة حقيقية في الصلاحيات والاختصاصات.
والسؤال هنا، لماذا يتمسك كامل إدريس بالمنصب وينتظر الإقالة بدلًا من أن يبادر بالاستقالة؟
ننصحه بأن يحفظ ما تبقى من ماء وجهه، وأن يقدم استقالته طائعاً مختاراً قبل أن يجد نفسه أمام إقالة لا يملك منها فكاكاً وتجلب عليه التندر، فالاستقالة في مثل هذه الظروف ليست عيباً، بل قد تكون موقفاً سياسياً يحفظ لصاحبها بعض ما تبقى من رصيد.
لقد فشل كامل إدريس في تقديم ما يعين البلاد على الخروج من كبوتها، وأخطأ البرهان مرات ومرات في الاستمرار بمنحه الفرصة، رغم أن البدايات كانت كافية لإثارة الشكوك حول قدرته على تقديم ما يحتاجه السودان في هذه المرحلة.
وكما يقول السودانيون، (المطر من رشته والعريس من بشته)، ورُشاش كامل إدريس منذ البداية كان إنذاراً واضحاً بأنه لا توجد بشريات تلوح في أفق سماء السودانيين،
ومع ذلك، صبر عليه البرهان طويلًا، وكأنما أراد أن يضرب عصفورين بحجر واحد: أن يرسل رسالة إلى الخارج بوجود حكومة مدنية، وفي الوقت نفسه يختار رئيس وزراء محدود التأثير بلا شخصية ومأمون الجانب، يستطيع أن يفعل في وجوده ما يريد.
وقد كتبنا من قبل أن كامل إدريس أصبح بمثابة (تختة) للبرهان، فكثيرون ينتقدون رئيس الوزراء بسبب الفشل، بينما المسؤول الأكبر من هذا الفشل هو البرهان باختياره والاستمرار في بقائه لأنه يعرفه جيداً، ومع ذلك عيّنه ومنحه الفرصة تلو الأخرى.
فيما يتعلق بعودة الإشراف السيادي على عدد من الوزارات والقطاعات، يبرز السؤال: هل يستطيع رئيس الوزراء أن يدير حكومة لا يملك كامل أدوات إدارتها؟
وهنا تتضح الصورة جليةً بأن الأزمة ليست أزمة بنزين فقط، وإنما أزمة إدارة وصلاحيات ومسؤوليات، وعندما تتداخل السلطات وتتوزع المسؤوليات، يصبح المواطن هو الذي يدفع الثمن، بينما يتبادل المسؤولون الأدوار في البحث عن مبررات الفشل.
السيد رئيس الوزراء، إذا كنت ترى أن ما قدمته خلال الفترة الماضية لم يكن كافياً، وإذا أصبحت صلاحياتك محدودة إلى هذا الحد، فبادر بالاستقالة قبل أن تُقال، ادخل التاريخ من باب الاستقالة، بدلًا من أن تخرج من المنصب بقرار الإقالة.
فالسودان اليوم لا يحتمل المزيد من الأزمات، ولا يحتمل مسؤولين يتمسكون بالمواقع رغم عجزهم عن تقديم الحلول. فالأزمات في السودان ليست في الوقود وحده، وإنما في إدارة الدولة نفسها، وفي الإصرار على بقاء بعض الأوضاع والأشخاص رغم أن الواقع يقول إن التغيير أصبح ضرورة.