معاوية الجاك... يكتب...

أين كِبار الشرق؟..

الخبران أدناه نشرتهما صحيفة (العودة) في عدد الأمس، ويقول الخبر الأول: (أغلقت مجموعات إثنية غاضبة شارع مستشفى الحوادث الرئيسي ببورتسودان، احتجاجاً على ما اعتبرته تباطؤاً في كشف ملابسات جريمة قتل المواطن أدروب عيسى، وتفيد متابعات العودة بأن المواطن القتيل كان غائباً عن أسرته لأكثر من خمسة أيام، وتم تدوين بلاغ فقدان لدى الشرطة، ووُجِد قتيلًا ومقطّع الأوصال صباح أمس الأحد، على قارعة الطريق بالقرب من مستشفى بورتسودان العام، ورفع المحتجون إغلاق الشارع الرئيسي في السابعة من مساء أمس الأحد بناءً على تعهدات اللجنة الأمنية بمحلية بورتسودان بكشف الجناة وتقديمهم للمحاكمة).

ويقول الخبر الثاني: (قام محتجون من أهالي منطقة هيا بولاية البحر الأحمر بإيقاف نشاط الشركة الروسية أليانس بسبب ما قالوا إنها مستحقات السكان المحليين للتعدين في منطقتهم، مؤكدين أن مفاوضاتهم مع الشركة الروسية والشركة السودانية للموارد المعدنية ظلت مستمرة طوال الفترة الماضية، ولكنهم لم يتوصلوا إلى أي حلول تنصف السكان).

الخبران أعلاه وغيرهما عشرات الأخبار السابقة بالطريقة ذاتها، كافيان للوقوف أمام ظاهرة تحتاج إلى مراجعة جادة وعاجلة، فإغلاق الميناء أو الطرق وتعطيل حركة الشحن عبر التظاهرات والوقفات الاحتجاجية المتكررة، أصبح أسلوباً يتكرر من بعض أهل الشرق بالبحر الأحمر وليس جميعهم، كلما برزت قضية أو مطلب.

والسؤال هنا: فشرق السودان ممثلاً في ولاية البحر الأحمر مليء بأهل الحكمة والوعي والحرص على مصلحة منطقتهم، فلماذا تلجأ بعض الجهات والمجموعات إلى هذا الأسلوب الهمجيي الغريب في التعبير عن مطالبها، لماذا أصبح إغلاق الميناء أو الطريق خياراً متكرراً؟ ولماذا الاصرار على تعطيل مصالح الدولة والناس بهذه الطريقة؟ ألا توجد وسائل أفضل للتعبير احتراماً للمواطنين ولمصالح المنطقة؟

فالحقوق لا تُنتزع بتعطيل مصالح الناس وإيقاف حركة التجارة والشحن، كما أن الاحتجاج السلمي حق مشروع، لكنه يفقد كثيراً من أثره عندما يتحول إلى وسيلة لتعطيل الحياة العامة والإضرار بمصالح المواطنين.

وهنا يبرز دور كُبار الشرق وأصحاب الرأي

والنفوذ الاجتماعي والسياسي، وفي مقدمتهم القيادات الأهلية والسياسية مثل محمد الأمين تِرِك الذي ظل يقدم نفسه كقيادي سياسي واجتماعي، أين دور هؤلاء في توجيه المطالب نحو الوسائل الأكثر فاعلية، والتدخل عندما تتجاوز الاحتجاجات حدود المنطق والتعبير المشروع إلى تعطيل الطرق والموانىء ومصالح خلق الله.

فأهل الشرق بهذا الأسلوب الهمجي يضرون بمصالحهم أكثر من الحصول على حقوقهم وعليهم أن ينتبهوا لذلك حتى يلحقوا بالآخرين ممن ظلوا يتمتعون بحقوقهم بذكاء.

بالأمس القريب أُتيحت لأهل ولاية البحر الأحمر فرصةَ ذهبيةً للاستفادة من وجود الحكومة المركزية ومؤسسات الدولة والبعثات الدبلوماسية والمنظمات العالمية الخدمية بمدينة بورتسودان، وكان يمكن توظيف ذلك الظرف الاستثنائي بصورة أكبر للدفع بمشروعات التنمية والخدمات وتحسين أوضاع الولاية، وتطوير مدينة بورتسودان تحديداً، بما لها من أهمية استراتيجية واقتصادية، فهي تستحق أن تكون نموذجاً للمدن التي تستفيد من موقعها، بدلًا من أن تصبح أخبار إغلاق الموانىء وتعطيل نشاطها الاقتصادي هي العنوان الأبرز.

للأسف أهدر أهل البحر الأحمر استغلال الفرصة الذهبية وعادت الحكومة إلى الخرطوم وَظلت بورتسودان كما هي.

المطلوب اليوم دعوة أصحاب الحكمة والقيادات المؤثرة إلى مراجعة هذا المسار، والعمل على تنظيم المطالب والدفاع عن حقوق المواطنين بوسائل أكثر تأثيراً وأقل ضرراً، فالشرق يحتاج إلى تقديم صورته الحقيقية بقالبٍ مختلف، فهو مجتمع قادر على حماية مصالحه الاقتصادية والتنموية...