كيف اغتيل التعليم الحكومي في السودان ؟
بقلم : توفيق البدري عكاشة...
أعلنت وزارة التربية والتعليم بولاية الخرطوم تأجيل انطلاق العام الدراسي 2026-2027 من الأحد 11 أكتوبر إلى 18 أكتوبر 2026.
خبر عادي.. يمر مرور الكرام.. لكن وراء هذا التأجيل.. حكاية وجع كبيرة.. اسمها (معاناة الأسرة السودانية مع تعليم أبنائها ).
في السودان اليوم.. لم يعد التعليم حقاً.. بل أصبح سلعة.. وسلعة غالية جداً.
أرقام الشهادة لا تكذب
تابعوا نتائج الشهادة السودانية والأساس والمتوسط في آخر 5 سنوات.. ستجدون الحقيقة المرة:
أوائل الشهادة.. كلهم من مدارس خاصة..
الـ 100 الأوائل.. 95 منهم من مدارس خاصة..
المدارس الحكومية.. التي خرجت أجيال الاستقلال.. وعلماء السودان.. تراجعت تماماً.. وأصبحت في ذيل القائمة. لماذا ؟
هجرة المعلم الكفء
الدولة تدفع للمعلم في القطاع العام 70 - 100 ألف جنيه.. والمدرسة الخاصة تدفع له 600 ألف ومليون.. مع ترحيل ووجبة..
فماذا تتوقع ؟
هاجر كل المعلمين الأكفاء.. المبدعين.. للمدارس الخاصة..
وبقيت المدارس الحكومية.. بمعلم مغلوب على أمره.. جعان.. تعبان.. يفكر في مصاريف بيته.. لا في سبورة فصله.
فقدان الثقة
الأسرة السودانية فقدت الثقة في المدرسة الحكومية.. ليس كرهاً لها.. بل خوفاً على مستقبل ابنها..
فصل فيه 80 طالب.. بلا كتاب.. بلا مقعد.. بلا حمام نظيف.. كيف سينجح؟
فاضطرت الأسرة.. وهي تعاني من الحرب والنزوح والغلاء.. أن تدفع دم قلبها لمدرسة خاصة..
حتى المدارس النموذجية التي استحدثتها الدولة كحل وسط.. لحقت بالخاصة.. رسومها أصبحت فلكية.. 500 ألف ومليون جنيه.. فأصبحت هي الأخرى.. مدرسة للأغنياء فقط.
المعادلة المؤلمة اليوم :
- أسرة عندها 3 أبناء.. في الأساس والمتوسط والثانوي..
- رسوم المدارس الخاصة: الابن الواحد من 800 ألف إلى 2 مليون..
- يعني الأسرة تحتاج 4 - 5 مليون جنيه فقط رسوم.. غير الكتب والزي والترحيل..
- في بلد متوسط الدخل فيه 150 ألف جنيه.
ماذا تفعل الأسرة ؟ تسرق؟ تتسولو؟ أم تخرج ابنها من التعليمز؟
وهنا الكارثة.. آلاف الأسر الآن تخرج أبناءها من التعليم.. لأنها لا تملك رسوم الخاص.. ولا تثق في الحكومي.
تأجيل 11 أكتوبر إلى 18 أكتوبر.. ماذا يعني ؟
يعني أن الدولة نفسها تعترف.. مدارسنا الحكومية غير جاهزة..
غير جاهزة بمقاعد.. غير جاهزة بكتب.. غير جاهزة بمعلمين.. فنؤجل أسبوع.. لعل وعسى..
لكن الأسر في المدارس الخاصة.. بدأت الدراسة قبل شهر.. لأنها جاهزة.. لأنها تملك المال.
من هنا نبدأ.. الدرس من كوريا والعالم
كوريا الجنوبية نهضت لأنها جعلت ابن الفقير يقرأ مع ابن الوزير في نفس الفصل.. ونحن تراجعنا لأننا جعلنا ابن الفقير في فصل بلا سقف.. وابن الغني في فصل مكيف.
والنماذج أمامنا :
" كوريا الجنوبية : " قالت جملة واحدة سنة 1968: "موردنا الوحيد هو البشر". فجعلت 9 سنوات تعليم إلزامي ومجاني للكل.. ابن الرئيس وابن المزارع نفس الزي ونفس الكتاب.. والنتيجة؟ من دولة تأكل معونات.. إلى دولة تصنع سامسونج وهيونداي.. ومن رحم مدارسها الفقيرة خرج *بان كي مون*.. ابن المزارع الذي كان يمشي 10 كيلو حافياً للمدرسة.. ليصبح أميناً عاماً للأمم المتحدة.. وقال: "كوريا استثمرت فيّ وأنا لا أملك حذاء".
" فنلندا : " ألغت التعليم الخاص تماماً.. كل المدارس حكومية ومجانية حتى الأكل والكتب.. والمعلم أعلى راتب من الوزير.. فأصبحت أفضل تعليم في العالم 20 سنة.. بفجوة صفر بين الغني والفقير.
" سنغافورة : " كانت مستنقع فقر سنة 1965.. فقرر لي كوان يو أن يتبنى أي طالب فقير متفوق من الابتدائي للدكتوراه على حساب الدولة.. فأصبحت أغنى دولة في آسيا.
والدليل أن الفقر لا يمنع العبقرية.. بل يصنعها إذا وجدت مدرسة مجانية :
- " لولا دا سيلفا "رئيس البرازيل.. كان ماسح أحذية فقير.. أمه أمية.. المدرسة الحكومية المجانية هي من علمته القراءة.. فأصبح رئيساً وأخرج 50 مليون من الفقر.. ومقولته: "أنا معجزة التعليم المجاني".
- " بنجامين كارسون ".. أم سوداء تغسل الملابس في غيتو أمريكا.. المكتبة والمدرسة الحكومية المجانية جعلت ابنها أول جراح يفصل توأماً ملتصقاً في الرأس في العالم.
- وعندنا " عبدالله الطيب ".. ابن مزارع فقير في التميراب.. لولا مجانية التعليم الأولي في عطبرة.. لما أصبح مجمع اللغة العربية الأكبر في القرن العشرين.
ما العمل ؟
إذا أردنا سودان جديد بعد الحرب.. فعلينا أن نعيد الاعتبار للمدرسة الحكومية :
نرفع أجر المعلم الحكومي ليتساوى مع الخاص.. فلا هجرة للكفاءات.
و نجعل المدرسة الحكومية مجانية حقاً.. بكتابها وكراسها ووجبتها.
و نلغي فكرة المدارس النموذجية برسوم فلكية.. ونعيدها نموذجية في مستواها.. لا في رسومها.
بهذا ننهض :
الدول لم تنهض لأنها غنية فعلمت أبناءها .. بل لأنها علمت أبناء الفقراء فأصبحت غنية ..
الاستثمار في ابن الفقير.. ليس صدقة.. هو خطة أمن قومي ..
التعليم ليس ترفاً.. التعليم هو الأمن القومي ..
والأسرة التي لا تستطيع تعليم ابنها اليوم.. ستدفع ثمن جهله غداً.. نحن جميعاً .
معركة ما بعد الحرب :
كم أسرة اليوم في أبو حمد وعطبرة وأم درمان.. تؤجل شراء الدواء.. أو كيس العيش.. لتدفع قسط المدرسة الخاصة؟
هذه هي معركة السودان الحقيقية بعد الحرب.
والله غالب على امره
توفيق البدري عكاشة ( ابو ليمار ).