أحمد يوسف التاي...يكتب...

نفس هذا البيان وبذات الكلمات، ما الذي كان يمنع صدوره قبل ثلاثة أيام

(1)

عندما انتقدنا الحكومة بشأن ما يتعلق بحادثة مقتل عشرات السودانيين بقصف الطيران الحربي على الحدود المصرية، صوبنا نقدنا في جانب محدد فقط وهو استمرار الصمت الرسمي لمدة ثلاثة أيام من الحادثة، وتأخر ردة الفعل الرسمية مما عكس إنطباعا سيئا بأن الحكومة غير مهتمة بما يحدث لشعبها.

لم يطلب السودانيون من مجلس السيادة ، ولا الخارجية، أو أي جهة رسمية في الدولة أن تعلن الحرب، ولا أن تقطع العلاقة الأزلية مع مصر، ولا أن تعلن على الملأ عن اسم الجاني في الساعة الأولى، ولا أن تكشف ملابسات معقدة لحادثة وقعت في صحراء نائية يحيطها الكثير من الغموض، لكنهم - أي السودانيون - كانوا ينتظرون شيئاً أبسط من ذلك بكثير.. بيانًا فقط من 20 كلمة - إي ورب الناس بياناً فقط.

بيان عاجل فقط في كلمات قلائل، يتضمن علم الحكومة بالحادثة، ومتابعتها، واتخاذ قرار بتشكيل لجنة تحقيق، وأن الدولة مسؤولة عن حماية مواطنيها."

وهذا بالفعل ما حواه البيان الذي صدر من المجلس السيادي أمس، لكن بعد 72 ساعة، وكان يمكن أن يصدر خلال ساعة واحدة فقط من وقوع القصف على المنجم...والله لقد كلف هذا التأخير الحكومة الكثير جدا وهي الآن أدركت تبعات ذلك التأخير الذي سيكلفها الكثير لمحو آثاره..وفي رأي هذه مسؤولية الجيش الجرار من المستشارين بالداخل والخارج، وبدلا من أن يغرد أمجد فريد على "x" معبرا عن موقفه ليتفادى الحرج كان يمكن أن يشير إلى البرهان بذلك لإصدار هذا البيان المتأخر قبل ثلاثة أيام.

(2)

عندما انتقدنا الحكومة ، لم نحملها مسؤولية ما حدث ولم نقل أن الحادث بسبب إهمالها ، فقط ما انتقدناه هو الصمت الذي استمر ثلاثة أيام في وقت انتشرت فيه الشائعات والقيل والقال وكثرة السؤال ، وقد ذهب الناس مذاهب شتى ، فما الذي كان يمنع قطع دابر الشائعات؟ وما الذي كان يمنع قطع الطريق أمام سيول التكهنات والشائعات والأراجيف؟ ما الذي كان يمنع صدور البيان خلال ساعة فقط، فهل يحتاج مجلس السيادة ثلاثة أيام ليقول للناس عبر بيان ويؤكد لهم أن مسؤولية الدولة عن حماية شعبها مبدأ سيادي وقانوني وأخلاقي؟

حتى لو كان المعدنون قد دخلوا منطقة حدودية متنازع عليها، حتى لو كانوا مخالفين لقانون التعدين، فهم في النهاية مواطنون سودانيون عزل، قتلوا بقصف جوي، والدولة التي لا تعلن فوراً أنها ستعمل على التحقق في مقتلهم، تضع نفسها في خانة الاتهام بالتقصير، خاصة إذا صمتت ثلاثة أيام.. إذن هذا هو الجانب المعتم الذي انتقدناه..

(3)

والجانب الآخر الأكثر عتامة وانتقدناه أيضا هو أن التأخير في إعلان موقف الحكومة

أدى إلى إتساع دائرة التكهنات والشائعات، وتم تصوير الصمت الحكومي وتأويله تأويلا لايليق بالدول... سيل من الشائعات، وسيول من التضليل ذي الأغراض السياسية، من كل الأطراف، فهناك من سعى للوقيعة بين الخرطوم والقاهرة، ومن يريد تبرئة القاهرة على حساب دم الضحايا، وهناك من يريد استثمار دم الدهابة لتصفية حساباته مع الحكومة.

كل هذا كان يمكن احتواؤه ببيان واحد في الساعة الأولى يقطع الطريق على الشائعة.

(4)

وهناك أمر آخر أظنه أحرج الحكومة، وهو سرعة ردة فعل الحكومة المصرية إزاء مقتل سائقين إثنين مصريين في الخرطوم التي صمتت ثلاثة أيام ولم تنبس ببنت شفة إلا في اليوم الثالث..ومعرف بطبيعة الحال

الدول قاطبة تتحرك بسرعة في مثل هذه الحوادث، لأن سرعة البيان هي رسالة طمأنة للداخل قبل أن تكون موقفاً تجاه الخارج.

ودونكم القاهرة خلال ساعتين فقط صدر بيان من الخارجية المصرية، واتصال، ومتابعة، وطلب تحقيق في مقتل السائقين، وهذا هو السلوك الطبيعي للدولة التي تريد أن تقول لشعبها: "دمكم يهمنا"، وهذا ما يفرض السؤال

لماذا حين قُتل عشرات السودانيين بقصف جوي، احتاجت الخرطوم إلى 3 أيام لتقول نفس الجملة التي كان يمكن أن تقولها خلال الساعات الأولى للحادثة..

نحن لا نطالب الحكومة بإعلان التفاصيل ولا ملابسات الحادثة ولا تسمية الجاني ولا إدانته في اليوم الأول. هذا عمل لجنة التحقيق التي أعلنت عنها أخيراً.

نحن كنا نطمع فقط في أن يصدر نفس البيان الذي صدر في اليوم الثالث، لكن في اليوم الأول. بيان يخاطب الشعب الغاضب الذي تثري وسطه الشائعات في ظل الصمت الرسمي ويطمئنه بأن هناك حكومة تتابع وتهتم ، هناك دولة تشعر أن الدم السوداني غالٍ، وغالٍ جدا..البيان المتأخر، حتى لو كان صحيحاً في مضمونه، فقدَ أهم عنصر فيه، وهو التوقيت.

(5)

الدولة التي تتأخر 72 لتعلن أنها ستشكل لجنة تحقيق في مقتل مواطنيها، تفتح الباب واسعاً أمام الاستهتار بسيادتها، وتسمح للآخرين بأن يملأوا الفراغ بدلاً عنها، وتخسر أهم رأس مال تملكه، وهو ثقة شعبها بأنها موجودة من أجله..

نكرر أننا انتقدنا الصمت والتأخير غير المبرر الذي فتح الطريق امام الشائعات وأعطى الانطباع بان الدولة لاتهتم بالدم السوداني، وحتى إن كانت هناك جنسيات غير السودانيين، فإن وجود سوداني واحد بينهم يستحق إهتمام الدولة لمعرفة ملابسات مقتله، ومنع تكرار الحادثة.....اللهم هذا قسمي فيما املك..

نبضة اخيرة:

ضع نفسك دائمًا في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله، وثق أنه يراك في كل حين.