محمد بابكر... يكتب...

حينما تتقاطع خطوط التآمر مع حتمية الأقدار تتهاوى الحسابات وتتساقط الأقنعة ويجد الذين ظنوا أن بإمكانهم صناعة مصائر الشعوب من خلف الحدود أنفسهم أمام حقائق لا يستطيعون التحكم فيها.

ها هي إثيوبيا التي ظلت خلال السنوات الماضية لاعبا إقليميا مؤثرا في الملف السوداني تواجه اليوم أزمة داخلية جديدة مع إعلان سبع جماعات مسلحة إثيوبية تشكيل تحالف هدفه إزاحة حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد في تطور يجمع قوى كانت في السابق على طرفي صراعات مسلحة.

ويضم التحالف وفق ما أوردته رويترز جبهة تحرير شعب تيغراي وقوات فانو وقوى مسلحة من أوروميا وعفر وبني شنقول قمز وغيرها.

ليس المقصود من قراءة هذا المشهد البحث عن الشماتة في دولة جارة وإنما استعادة الأسئلة التي فرضها الدور الإثيوبي في الشأن السوداني وطرحها أمام القوى السياسية السودانية التي اتخذت من أديس أبابا في مراحل مختلفة منصة للحركة والتفاوض وصناعة المواقف.

فمن الذي منح رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد كل هذه المساحة في الملف السوداني؟

ومن الذي جعله وسيطا في واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ السودان الحديث؟ وكيف انتقل الدور من وساطة إقليمية إلى حضور مؤثر في تفاصيل التفاوض بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى الحرية والتغيير؟


الوساطة الإثيوبية شاركت بالتنسيق مع الاتحاد الأفريقي في دفع المفاوضات التي انتهت لاحقا إلى الاتفاق السياسي والإعلان الدستوري.

لكن السؤال الذي لا يزال مشروعا من الذي فوّض آبي أحمد ليكون بهذه الدرجة من الحضور في مستقبل السودان؟ ومن الذي سمح بأن تتحول الوساطة الإقليمية إلى مساحة للتأثير في هندسة المرحلة الانتقالية؟ وهل كان الدور الإثيوبي مجرد تقريب لوجهات النظر أم أن أديس أبابا كانت تسعى إلى بناء نفوذ سياسي طويل المدى داخل المشهد السوداني؟

بل إن السؤال يصبح أكثر وضوحا عندما نتذكر أن الوساطة الإثيوبية قدمت مقترحات بشأن ترتيبات السلطة الانتقالية وأن آبي أحمد حاول إقناع الطرفين بقبول مشروع اتفاق يتعلق بالمرحلة الانتقالية.

وهنا لا بد أن نتساءل هل كان السودان عاجزا عن إدارة حواره السياسي بنفسه حتى يحتاج إلى رئيس حكومة دولة أخرى ليقترب من تفاصيل انتقال السلطة؟ ومن الذي أعطاه هذه الوصاية السياسية؟

ثم جاءت حرب أبريل 2023 لتكشف وجها آخر من القصة.

ففي الأيام الأولى للحرب كان الصراع قد تحول إلى معارك مفتوحة داخل الخرطوم واستخدمت القوات المسلحة الطيران ضد مواقع قوات الدعم السريع بينما كانت المعارك تدور حول المنشآت العسكرية والمطار ومواقع استراتيجية أخرى.

وبعد ذلك وفي يوليو 2023 خرج آبي أحمد خلال اجتماع لرباعية الإيقاد متحدثا عن وجود فراغ في قيادة الدولة السودانية ودعا إلى فرض منطقة حظر جوي في السودان وسحب الأسلحة الثقيلة.

وقد رفضت الحكومة السودانية تلك التصريحات واعتبرتها مساسا بسيادتها.

وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحا من أذن لرئيس وزراء دولة أجنبية بأن يطالب بفرض حظر جوي على السودان بينما كانت القوات المسلحة السودانية تخوض حربا داخل أراضيها؟ ومن الذي منحه الحق في التدخل في قرار عسكري سيادي يتعلق باستخدام القوات المسلحة لسلاحها الجوي؟

وإذا كان من حق آبي أحمد أن يطرح منطقة حظر جوي فوق السودان فهل يحق للفريق البرهان أن يطالب الان بمنطقة حظر جوي في المناطق التي إحتلتها الحركات المسلحة في أثيوبيا؟


من حق السودانيين أن يسألوا هل كان يدرك أن حظر الطيران يعني عمليا تقييد إحدى أهم أدوات الجيش في مواجهة قوة مسلحة تخوض معه حربا داخل العاصمة؟


هذه الأسئلة تصبح أكثر أهمية عندما ننتقل إلى القوى السياسية السودانية(الحرية والتغيير) التي كانت جزءا من المشهد الذي صنعته الوساطة الإثيوبية في 2019 ثم انتقلت بعد ذلك إلى تحالفات وتشكيلات مختلفة.

اليوم ومع اشتعال الصراع داخل إثيوبيا وتشكيل سبع حركات مسلحة تحالفت ضد حكومة آبي أحمد تقف هذه القوى السياسية السودانية أمام اختبار سياسي لا يمكن الهروب منه.

ماذا سيكون موقفها؟

هل ستقف إلى جانب الحكومة الإثيوبية وجيشها الوطني باعتبار أن الدولة ومؤسساتها يجب أن تبقى قائمة وأن الخلافات السياسية لا تبرر إسقاط الدولة بالقوة المسلحة؟

إذا كان هذا هو موقفها فسيكون من حق المواطن السوداني أن يسألها أليس الجيش السوداني أيضا مؤسسة وطنية؟ وإذا كان حمل السلاح ضد الدولة مرفوضا في إثيوبيا فلماذا تغير المعيار عندما يتعلق الأمر بالسودان؟

وإذا اختارت الوقوف مع الحركات الإثيوبية المسلحة السبع هل يصبح دعم الحركات المسلحة مشروعا لدعم الحركات المسلحة في أفريقيا؟

هل ستصبح تلك القوى وفق هذا المنطق داعمة للمليشيات المسلحة في إثيوبيا كما أتُّهمت من القوى السودانية بأنها وقفت سياسيا مع الدعم السريع رغم الاتهامات الواسعة التي وجهتها منظمات دولية وحقوقية إلى قوات الدعم السريع وحلفائها بشأن انتهاكات ضد المدنيين؟

أم ستختار هذه القوى الطريق الثالث فتعلن الحياد وترفع شعار (لا للحرب) ؟

وهنا أيضا لا بد من السؤال هل سيكون (لا للحرب) مبدأ ثابتا لا يتغير بتغير الأطراف والحلفاء أم أنه سيكون ملاذا سياسيا للهروب من اتخاذ موقف واضح؟


المواطن السوداني يريد أن يعرف شيئا واحدا هل هناك معيار سياسي واحد أم أن المعايير تتبدل بحسب هوية الطرف الذي يحمل السلاح؟

إذا كانت الحرب في إثيوبيا تستوجب الدفاع عن الدولة ومؤسساتها فلماذا لم يكن المبدأ ذاته حاضرا في السودان؟


وإذا كان الموقف الصحيح هو الحياد ورفض الحرب فلماذا لا يكون هذا الموقف شاملا لكل الحروب بما فيها الحرب السودانية دون انتقاء أو ازدواجية؟

هذه ليست أسئلة للشماتة ولا لتصفية الحسابات وإنما أسئلة عن اتساق المواقف السياسية.

فالسودانيون الذين شاهدوا كيف تحولت أديس أبابا إلى ساحة للوساطات والاجتماعات المتعلقة بمستقبل بلادهم من حقهم اليوم أن يسألوا القوى التي تحركت من خلالها ماذا ستفعل عندما تصبح الأزمة داخل الدولة التي استضافت اجتماعاتها ومنحتها المنابر السياسية؟

هل ستدافع عن مبدأ السيادة؟

إذا كانت الإجابة نعم فهذه السيادة يجب أن تكون مبدأ ثابتا لا موقفا يستخدم في إثيوبيا ويهمل في السودان.

هل ستدافع عن الجيش الإثيوبي؟

إذا كانت الإجابة نعم فليكن السؤال واضحا لماذا كان الجيش السوداني هو الاستثناء؟

هل ستدعم الحركات المسلحة؟

فليكن السؤال هل تغيرت القاعدة التي تقول إن السلاح لا يصنع شرعية سياسية؟

هل سترفع شعار (لا للحرب) ؟

فليكن السؤال هل كان هذا الشعار حاضرا بالقدر نفسه عندما كانت المدن والقرى السودانية تتعرض للقتل والنزوح والانتهاكات؟


إن أخطر ما يمكن أن تواجهه السياسة السودانية ليس اختلاف الآراء وإنما سقوط المعايير.

فمن الطبيعي أن تختلف القوى السياسية في تفسير الأحداث لكن غير الطبيعي أن يصبح ما هو مرفوض في دولة مقبولا في دولة أخرى لمجرد اختلاف الحلفاء.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن التدخلات الإقليمية في السودان ليست قضية نظرية. فقد دخلت قوى إقليمية ودولية متعددة على خط الأزمة بينما ظل السودان يدفع ثمن الصراع السياسي والعسكري من أمنه ووحدته واستقراره.

ولذلك فإن الدرس الذي يجب أن يخرج به السودانيون من المشهد الإثيوبي الجديد هو أن الدول لا تستطيع أن تبني استقرارها على أزمات جيرانها والقوى السياسية لا تستطيع أن تطالب بالسيادة ثم تتجاهلها عندما تتعارض مع حساباتها.


والسؤال الآخر الذي لا يقل أهمية لماذا لم نسمع من بعض القوى السياسية السودانية مراجعة واضحة لمواقفها من الدور الإقليمي في السودان؟


إن السودان ليس ساحة مفتوحة لتجارب الآخرين وليس ورقة في صراعات القرن الأفريقي ولا ينبغي أن يكون مستقبله رهنا بحسابات عاصمة أو محور أو تحالف.

السودان للسودانيين وقراره يجب أن يصنعه السودانيون ومؤسساته الوطنية يجب أن تحترم وأي خلاف سياسي يجب أن يجد طريقه إلى الحوار والعملية السياسية لا إلى السلاح ولا إلى الاستقواء بالخارج.


أما القوى السياسية فالتاريخ يضعها اليوم أمام اختبار حقيقي هل تستطيع أن تلتزم بمبدأ واحد عندما يتغير الحليف والخصم والمكان؟

فمن يرفض الحرب في السودان عليه أن يرفضها في إثيوبيا ومن يرفض المليشيات في إثيوبيا عليه أن يرفضها في السودان ومن يدافع عن الجيش الإثيوبي باعتباره مؤسسة وطنية عليه أن يفسر موقفه من الجيش السوداني ومن يرفض التدخل الخارجي في السودان عليه أن يرفضه في كل مكان.

تلك هي القضية.

ليس المطلوب أن يحب السودانيون آبي أحمد ولا أن يكرهوا إثيوبيا ولا أن ينحازوا إلى طرف في الصراع الإثيوبي. المطلوب فقط أن يعرف الجميع أن السيادة ليست شعارا موسميا وأن المبادئ لا تتغير بتغير المصالح.


ستظل الشعوب هي صاحبة الكلمة الأخيرة وستظل الدول التي تبحث عن مستقبلها خارج إرادة شعوبها معرضة للاضطراب وستظل المشاريع التي تقوم على التدخل في شؤون الآخرين مهددة بالارتداد على أصحابها.


أما السودان فقد دفع ثمنا باهظا من دم أبنائه وأمنه واستقراره.

ولهذا فإن المعركة الحقيقية اليوم ليست فقط مع السلاح وإنما مع كل مشروع يريد أن يجعل من السودان ساحة نفوذ أو ورقة تفاوض أو تابعا لمحور إقليمي.

السودان دولة ذات سيادة وسيادته ليست قابلة للتفاوض.

وما بين سقوط عواصم الحسابات وتبدل حكم التحالفات يبقى السؤال الأكبر أمام كل القوى السياسية هل ستكون مواقفكم مبنية على مبدأ ثابت أم ستتغير كلما تغيرت العواصم والحلفاء؟

ذلك هو الاختبار الذي ستكتبه الأيام ولن تستطيع الشعارات وحدها محوه من صفحات التاريخ.