​الخرطوم: تليغراف سودان

​لم يكن مجرد لقاءٍ لتناول وجبة غداء، بل كان أشبه بـ"جلسة ترميم" لذاكرةٍ جماعيةٍ أرادت الحرب محوها. على مقربة من المكان الذي اعتادت "وارغو" فيه تقديم الشاي لأجيال من صُنّاع الخبر، التأم شملُ كوكبة من الصحفيين السودانيين في قلب الخرطوم، في رسالة تحدٍّ صامتة لواقعٍ فرضته آلة الحرب منذ أبريل 2023.

​على "صاج" الشواء ورائحة الفحم التي استحضرت ذكريات "شارع الجرائد" وصخب ردهات التحرير، تبادل الصحفيون حكاياتٍ لا علاقة لها بالسياسة أو الرصاص. لقد اختاروا أن يستحضروا زمن "السبق الصحفي"، حين كانت المنافسة محصورة في من يظفر بالخبر أولاً، وليس في من ينجو من القصف أولاً.

​لكن غصةً لم تفارق الأحاديث؛ فكل زاوية في الشارع القريب كانت تُذكّرهم بـ "محراب" مهنتهم الذي تحول إلى ركام، أو مؤسساتٍ صمتت مطابعها للأبد. وفي تلك الأجواء المشحونة بالحنين، لم يكن الحديث عن "العودة" مجرد تمنٍ، بل كان عهداً بأن تبقى مهنة البحث عن المتاعب قائمة، مهما كلف الثمن.

​ولم يغفل اللقاء الجانب الإنساني؛ حيث تحول التضامن مع "بائعة الشاي" (وارغو) – التي كانت شاهدةً على أفراحهم وأتراحهم المهنية – إلى رمزٍ للتكافل الذي صمد في وجه الخراب.

​وقبل أن يلملم الصحفيون شتات يومهم، خرجوا بقرارٍ واحد: "لن نتوقف هنا". أعلنوا عن لقاءٍ دوري شهري، ليس لتوثيق الأخبار هذه المرة، بل لتوثيق وجودهم كصحفيين يرفضون أن تبتلعهم ذاكرة النسيان، ويصرون على أن تظل أقلامهم، حتى وإن جفت أحبارها، شاهدةً على زمنٍ لن يغيب.