مصعب بريــر...يكتب
حين يكمل تدهور صحة البيئة مجازر الرصاص ..!
حين تبدأ الحروب أو تضرب الأزمات الكبرى، تتجه الأبصار تلقائيًا نحو السماء ترقبًا للقذائف، أو نحو الأرض إحصاءً لعدد الضحايا المباشرين. لكن، هل فكّر أحدنا في مراقبة حشرة طائرة في زاوية الغرفة، أو تأمل عمق التلوث في كوب ماء يرفعه طفل إلى فمه داخل مركز إيواء؟ في غمرة الضجيج والدمار، هناك قاتل صامت يزحف ببطء شديد، لا يسمع له أحد جلبة، لكنه يملك من القدرة على الفتك ما يتجاوز أثر الرصاص والمدافع مجتمعة؛ إنه الانهيار الكامل لمنظومة صحة البيئة.
تأخذنا هذه المفارقة الصادمة مباشرة إلى صلب ورقة علمية حديثة اعدها شخصى الضعيف، وقُدمتها اسفيريا في ملتقى الخدمات الصحية بولاية جنوب كردفان في اليوم الجمعه. الورقة تشرح بكثير من التجرد والعمق كيف تحول السودان، بفعل الحرب المستعرة منذ أبريل 2023 وتداخلها مع الكوارث الطبيعية، إلى نموذج حي لكارثة صحية بيئية متكاملة الأركان. هذه القضية لا تخص ضباط الصحة والمختصين في دهاليز المنظمات وحدهم، بل هي قضية وجودية تلمس تفاصيل الحياة اليومية للمواطن البسيط الذي وجد نفسه فجأة بلا ماء نقي، وبلا غذاء آمن، وتحت رحمة أسراب النواقل التي تجد في مخلفات الحرب بيئة مثالية للاستيطان والتكاثر.
القصة تبدأ من تفكيك الروابط الخفية بين غياب خدمات صحة البيئة المباشرة وظهور الوباء. عندما خرجت محطة مياه "بيت المال" في الخرطوم الكبرى عن الخدمة، لم يكن الأمر مجرد انقطاع خدمة عادية، بل كان بمثابة دفعٍ اضطراري لثلاثة ملايين مواطن نحو مصادر مياه ملوثة وغير معالجة. ومع وجود أضخم أزمة نزوح داخلي في العالم بما يزيد عن 7.5 مليون نازح، تحولت مراكز الإيواء إلى بؤر ضغط هائل تفوق طاقتها الاستيعابية بآلاف المرات. ففي بعض معسكرات شرق دارفور، يتشارك 85 شخصاً مرحاضاً واحداً، مما يدفع الأسر مرغمة نحو التبرز في العراء ؛هذا الاختناق فى تدابير صحة البيئة فتح الباب على مصراعيه لدورة تلوث قاسية، لينفجر وباء الكوليرا حاصداً أكثر من 1,200 وفاة و45 ألف حالة مشتبهة بين عامي 2023 و2025.
والمرعب في هذه الحلقة المفرغة أن الكوارث لا تأتي فرادى، بل تتغذى أطرافها على بعضها بسلاسة غريبة. انكماش الرقعة الزراعية في البلاد بنسبة 60% ونهب مخازن الغذاء، أدى إلى قفزة مرعبة في معدلات سوء التغذية الحاد الوخيم بين الأطفال. والطفل الذي يضعف جسده بفعل الجوع، تنهار مناعته ليصبح هدفاً سهلاً للإسهالات والملاريا التي ارتفعت معدلاتها بنسبة 70%. وفي ذات الوقت، تحولت قنوات الري المهجورة في ولاية الجزيرة وبرك الأمطار القياسية إلى "مصانع مفتوحة" لإنتاج بعوض الأنوفيليس والزاعجة المصرية، مما فجر تفشيات لحمى الضنك تجاوزت 11 ألف حالة، في ظل انهيار كامل لصحة البيئة وغياب الرقابة على الأغذية المهربة والمفتقرة لسلاسل التبريد في الأسواق الموازية.
إننا إذن لا نواجه أزمات منفصلة يمكن التعامل معها بمسكنات مؤقتة؛ فالمشكلة ليست في نقص الناموسيات فقط، ولا في شح الكلور وحده، بل في ذهنية الاستجابة الإنسانية التقليدية التي تعتمد على مشاريع تمويلية قصيرة الأجل لا تتجاوز بضعة أشهر. إن علاج طفل من الملاريا أو الإسهال ثم إعادته ليشرب من ذات المستنقع ويبيت في ذات العراء هو تبديد للجهد والوقت. الواقع الميداني يفرض اليوم تجاوز الحلول الفوقية والتحرك نحو "حوكمة طارئة لصحة البيئة" تقودها كفاءات وطنية، تربط بين توفير الماء الآمن، وإصلاح المراحيض، ومكافحة النواقل في حزمة خدمية واحدة لا تتجزأ، مع تحفيز المجتمع محلياً عبر مبادرات شبابية لردم البرك وتصنيع حقائب "صحة البيئة" أسرية بسيطة.
بعد اخير :
خلاصة القول، لقد علمتنا التجربة السودانية القاسية درساً يتجاوز حدود الجغرافيا؛ فالأزمات المعقدة تعيد صياغة مفهوم البقاء، وتثبت أن الخطوط الأمامية للدفاع عن حياة الإنسان لا توجد في جبهات القتال فقط، بل في نقاء قطرة الماء ونظافة المحيط من حولنا.
اخيراً، إن الرصاصة قد تخطئ هدفها في زحام المعركة وتضع الحرب أوزارها بقرار سياسي، لكن صحة البيئة إذا دُمّرت، لا تخطئ أحداً وتظل تحاربنا بالنيابة عن الجميع.
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.
ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
البُعد_الآخر | مصعب بريــر
الجمعة | 3 يوليو 2026م