مصعب بريــر...يكتب

لماذا تتعاقد الحكومة مع نفسها؟ .. كبسولة الوعي في مواجهة صحافة «هجم النمر» ..!

في زحمة الأخبار وتوالي الأحداث، يتوقف المواطن العادي أمام مشاهد تبدو مألوفة لكنها تثير في داخله ألف سؤال معلق. حين تجلس وزارتان في حكومة واحدة لتوقيع "مذكرة تفاهم"، تبرز تلقائياً ابتسامة فيها مزيج من التعجب والشك العميق. أليست الحكومة جسداً واحداً؟ ولماذا تحتاج اليد اليمنى إلى وثيقة رسمية لتتعاون مع اليد اليسرى؟ هذا التساؤل المكتوم في صدور الكثيرين لم يعد مجرد همهمات عابرة في المجالس، بل تحول إلى نقاش مفتوح يعكس حالة من اليقظة المجتمعية. وفي بلد كسوداننا، أثقلته التجارب وعلمته الأيام، لا يمر شيء دون تمحيص، وهذا بالضبط ما يضع أي مسؤول أمام اختبار حقيقي: إما الصمت المعتاد، أو المواجهة بشفافية تفكك طلاسم المشهد وتضع النقاط على الحروف.

هنا تحديداً، التقط وزير الثقافة والإعلام، خالد الإعيسر، خيط التساؤلات المشروعة ليقدم إجابة تستحق الوقوف عندها، مستنداً إلى قاعدة ذهبية تقول إن "من حق الشعب أن يعلم". لم تكن المذكرة الموقعة قبل يومين مع وزارة الصحة مجرد حفل بروتوكولي لالتقاط الصور، بل كانت خطوة تمليها تعقيدات العمل مع المجتمع الدولي. فالمنظمات المانحة والشركاء الدوليون لا يتعاملون بالنوايا الحسنة أو الافتراضات الإدارية، بل يشترطون التزامات مؤسسية موثقة تضمن أن أجهزة الدولة كلها تقف بصرامة خلف مشاريع الرعاية الصحية. المثير في الأمر أن هذه المذكرة دخلت حيز التنفيذ العملي قبل عام كامل من توقيعها الرسمي، مما يعني أن الحبر الذي سُكب على الورق كان تتويجاً لشراكة قائمة فرضتها ضرورة إنقاذ القطاع الصحي.

العلاقة بين الإعلام والصحة قد تبدو بعيدة في ظاهرها، لكنها في العمق تمثل شريان الحياة لأي استراتيجية طبية ناجحة ومستدامة. في التجارب الدولية الشبيهة، كما رأينا بوضوح خلال الأوبئة العالمية المعاصرة، تسقط أقوى الأنظمة الصحية وتنهار إذا غاب الوعي المجتمعي الموجه. الكبسولة الطبية وحدها لا تكفي أبداً إن لم ترافقها كبسولة توعوية تقنع المواطن بأهميتها وتدحض الشائعات التي تفتك بالمجتمعات أسرع من الفيروسات. منصة "الصحة الواحدة" التي تحدث عنها الوزير هي ترجمة فعلية لهذا الفهم المتقدم؛ فالإعلام هنا يتحول من مجرد ناقل للخبر إلى شريك استراتيجي يصنع السلوك الصحي الإيجابي، ويبني جداراً من الثقة بين المانح الذي يوفر الدواء، والمواطن الذي يحتاج إليه، والدولة التي تدير هذه العملية المعقدة.

على أرض الواقع، يلامس هذا التوجه الدقيق حياة الناس اليومية بشكل مباشر، لأنه يحارب التضليل الذي طالما أربك المشهد السوداني واستنزف طاقات المؤسسات بلا طائل. وحين يرحب الوزير بالتساؤلات الموضوعية بشجاعة ووضوح، فإنه يضع خطاً فاصلاً بين وعي المواطن الحريص على وطنه، وبين ما أسماه "صحافة هجم النمر"، تلك التي تحترف الصيد في الماء العكر وتقتات على صناعة الإحباط. هذه الفئة التي تمارس إعلاماً سلبياً لا تسعى للرقابة أو التقويم، بل تهدف إلى عرقلة أي محاولة حقيقية للنهوض. وفي مرحلة حساسة من تاريخ البلاد، يصبح التمييز بين النقد البناء الذي يصحح المسار، والضجيج المفتعل الذي يعمي الأبصار، ضرورة وجودية، فالشعب الذكي يدرك بغريزته من يبني معه ومن يهدم من خلفه.

بعد اخير:

خلاصة القول، إن نجاح أي مشروع وطني مرهون بالوقوف على أرضية صلبة من الثقة المتبادلة بين المواطن والمسؤول، بعيداً عن الغرف المغلقة. الشفافية التي تجلت في تفكيك طلاسم هذه الاتفاقية يجب ألا تكون مجرد استثناء عابر أو ردة فعل مؤقتة، بل يجب أن تتجذر كمنهج ثابت يحكم كل مفاصل العمل العام. المواطن السوداني لم يعد يكتفي بالوعود الرنانة، بل يبحث عن إجابات مقنعة تحترم عقله وتشركه فعلياً في صناعة مستقبله ومستقبل أبنائه.

أخيرًا، معركة الوعي مستمرة بلا توقف، وصحة الأبدان لا تكتمل إطلاقاً إلا بصحة العقول ونظافة الفضاء العام من لوثة التضليل. المؤسسات التي تخاف من أسئلة شعوبها تكتب شهادة وفاتها بيدها؛ أما الأوطان التي تتنفس هواء الحقيقة، فهي وحدها القادرة على التعافي والنهوض.

﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.

ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.

البُعد_الآخر | مصعب بريــر

السبت | 4 يوليو 2026م

musapbrear@gmail.com