مصعب بريــر...يكتب

قبل ترميم الحجر.. "سـنار" تبني النفوس وتكتب "وثيقة الحياة" ..!

هل جربت يوماً أن تنصت إلى صوت العفو وسط ضجيج الرصاص؟ في العادة، عندما تشتعل الأوطان وتتعالى أصوات البنادق، تتجه الأنظار فوراً إلى طاولات السياسة الباردة، بحثاً عن حلول تأتي غالباً معلبة من الخارج. لكن الواقع الذي نعيشه يخبرنا بقصة مختلفة تماماً. ما حدث قبل أيام في العاصمة الخرطوم لم يكن مجرد لقاء عابر أو تجمع بروتوكولي، بل كان مشهداً حياً يختصر حكاية السودان الحقيقية؛ حيث اجتمع أهل سنار بمختلف أطيافهم ومكوناتهم، ليثبتوا أن ترميم الأرواح هو الخطوة الأولى والأهم قبل أي محاولة لترميم المباني.

بعد عام ونصف من العمل الهادئ والدؤوب بعيداً عن صخب الكاميرات، أثمرت جهود "المجلس الأعلى للسلم المجتمعي" عن مبادرة غير مسبوقة للعفو والتعايش. لم تكن الخرطوم التي احتضنت هذا اللقاء مجرد مسرح للحدث، بل كانت شاهداً على ولادة ميثاق مجتمعي صادق، صاغته أيدي أبناء سنار بوعي كامل لحجم اللحظة التاريخية. هذا التجمع لم يعتمد على نظريات معقدة، بل استند إلى مبدأ قرآني وإنساني بسيط وعميق في آن واحد يكمن في أن "الصلح خير". لقد اختاروا أن يتجاوزوا مرارات الأمس، ليس ضعفاً، بل إدراكاً متأصلاً بأن الأوطان لا تُبنى بالأحقاد، وأن المستقبل يحتاج إلى قلوب صافية وعقول مفتوحة.

هذا المشهد العفوي يرسل رسائل واضحة تتجاوز حدود القاعة التي شهدت اللقاء. هي رسالة أولى للسياسيين بأن صناعة السلام لا تتم في أروقة الفنادق الفاخرة أو عبر صفقات المحاصصة، بل تنبع من إرادة الناس في الأحياء والقرى. ورسالة ثانية للمنصات الإعلامية التي طالما اقتاتت على إثارة الفتن، بأن المجتمع السوداني يمتلك مناعة ذاتية قادرة على وأد الفرقة. أما الرسالة الأهم، فهي موجهة للمجتمع الدولي؛ فكما أثبتت تجارب الشعوب التي تعافت من حروبها القاسية، من رواندا إلى جنوب أفريقيا، فإن الحلول المستوردة لا تنجح ما لم تكن هناك إرادة محلية خالصة. إنسان السودان يمتلك شفرة التعايش الخاصة به، المستمدة من حكمة الإدارة الأهلية وروحانية الطرق الصوفية.

على أرض الواقع، يلمس هذا التحول حياة المواطن البسيط بشكل مباشر ويومي. فالعفو هنا ليس مجرد كلمة تُقال في المناسبات، بل هو مفتاح عودة الحياة إلى طبيعتها، وعودة المزارع إلى حقله، والتاجر إلى سوقه بشعور حقيقي من الأمان. وقد أدركت الحكومة بذكاء قيمة هذه الهندسة الوجدانية، فأعلنت رعايتها الكاملة للمبادرة، ولم تكتفِ بالدعم المعنوي، بل أتبعته بحزمة من الخدمات التنموية لولاية سنار. هذا التناغم بين الجهد الشعبي والرعاية الرسمية يضع قاعدة ذهبية مفادها أنه لا يمكن لأي خطة تنموية أن تنجح على أرضٍ تمزقها الخلافات، فالاستقرار المجتمعي هو العملة الوحيدة التي تشتري المستقبل.

بعد اخير:

خلاصة القول، إن ما سطرته الخرطوم وسنار معاً يمثل نموذجاً وطنياً خالصاً يستحق أن يُتخذ دليلاً للعمل في كل شبر من تراب هذا الوطن. لقد أسقط هذا اللقاء كل مبررات التشرذم، وأثبت أن إرادة الحياة أقوى من كل آلات الدمار، وأن السودانيين قادرون على صياغة فجرهم الجديد متى ما اتخذوا القرار الشجاع بذلك.

اخيراً، نحن نقف الآن أمام معادلة واضحة لا تقبل القسمة على اثنين، إما أن نختار طريق التسامح الذي يفتح أبواب النهضة، أو نظل أسرى لدوامة العنف التي لن تترك خلفها سوى الرماد. فالسلام الحقيقي لا يُوقع بحبر الأقلام على الورق... بل يُنقش بصدق النوايا في قلوب الرجال.

﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.

ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.

البُعد_الآخر | مصعب بريــر

الأحد | 5 يوليو 2026م

musapbrear@gmail.com