مصعب بريــر...يكتب

معركة الفساد.. استرداد الأموال أم استعادة الثقة؟

حين نتحدث عن الفساد، غالباً ما تذهب عقولنا فوراً إلى الأرقام الفلكية المنهوبة أو الحسابات السرية، لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير؛ الفساد في جوهره هو ذلك الخلل الصامت الذي يمنع الدواء عن مستحقيه ويحرم البنية التحتية من مقومات بقائها. هذه الملاحظة البسيطة تعود للواجهة اليوم مع التحركات الحكومية الأخيرة في الخرطوم، حيث التقى رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس برئيس مفوضية مكافحة الفساد واسترداد الأموال العامة، الفريق شرطة حقوقي عابدين الطاهر، للإعلان عن انطلاق عمل المفوضية رسمياً بداية الأسبوع القادم. هذا اللقاء، الذي جرى بحضور وزير العدل ومستشاري رئيس الوزراء، يمثل خطوة بروتوكولية منتظرة، لكنه يفتح الباب واسعاً أمام التساؤل الحقيقي الذي يشغل بال الشارع: هل يكفي مجرد إعلان البداية وتذليل العقبات الإدارية لتهدئة الهواجس المزمنة، أم أن المعركة الحقيقية تتطلب ما هو أبعد من اللقاءات الرسمية والعهود السياسية؟

القضية اليوم لا تتعلق بمدى توفر الرغبة في المحاسبة، بل بالقدرة على تحويل هذه الرغبة إلى نظام مؤسسي مستدام يمتلك أسنانًا حادة لا تستثني أحداً. الفساد لا ينمو في الفراغ، بل يتغذى على البيروقراطية المعقدة، وغياب الشفافية، وضعف الرقابة الرقمية التي تترك مساحات واسعة للاجتهاد الشخصي واستغلال النفوذ. ونتيجة لذلك، يتحول الفساد من مجرد سلوك فردي منحرف إلى شبكة معقدة تعوق أي جهد مخلص للإصلاح الاقتصادي والاجتماعي، وتخلق هوة سحيقة من عدم الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. العلاقة هنا طردية وواضحة؛ فكلما ترهلت آليات الرقابة وتأخرت الرقمنة الشاملة للمعاملات الحكومية، وجدت هذه الشبكات مناخاً آمناً للنمو والتشعب، مما يجعل تفكيكها يتطلب جراحة مؤسسية دقيقة تبدأ من الجذور لا من القشور الحاضرة على السطح فقط.

إذا نظرنا إلى التجارب الدولية التي نجحت في عبور هذا النفق المظلم، سنجد أن العامل المشترك لم يكن مجرد إنشاء لجان أو إصدار قوانين صارمة، بل توفير استقلالية مطلقة وتفويضات واسعة النطاق. تجربة رواندا، على سبيل المثال، تقدم نموذجاً عملياً ملهماً في القارة الأفريقية، حيث اقترن القرار السياسي الصارم بآليات تكنولوجية قلصت المعاملات الورقية المباشرة، وحولت المحاسبة إلى ثقافة يومية بدأت من قمة الهرم إلى قاعدته. وفي مجتمعنا، يدرك المواطن البسيط بفطرته ووعيه أن العبرة ليست في حبر القرارات، بل في الأثر الذي يلمسه بإنهاء المحسوبية وتسهيل الخدمات اليومية دون وسيط. إن ربط التحليل بالواقع المعيشي يخبرنا بأن النجاح الحقيقي للمفوضية لن يُقاس بعدد الاجتماعات، بل بمدى قدرتها على حماية المال العام ليوجه مباشرة إلى معاش الناس وتعليمهم وصحتهم.

بعد اخير:

خلاصة القول، مع اقتراب الموعد المحدد لبدء عمل المفوضية الأسبوع المقبل، يرتفع منسوب الترقب الفكري والشعبي، وتصبح الوعود الممنوحة بتذليل العقبات تحت مجهر الاختبار الفعلي. التاريخ يعلمنا أن اللحظات الانتقالية الحاسمة لا تحتمل تكرار الصيغ القديمة أو الاكتفاء بالمعالجات الجزئية التي تلاحق صغار المفسدين وتغض الطرف عن الحيتان الكبيرة التي تدير المشهد من الخلف. إننا نقف الآن أمام مفترق طرق حقيقي يتطلب شجاعة في المواجهة ووضوحاً كاملاً في كشف الحقائق، لأن أي تراخٍ أو مجاملة في هذه المرحلة تحديداً لن يعني فقط فشل مؤسسة بعينها، بل سيؤدي إلى تبديد ما تبقى من رصيد الأمل في التغيير وبناء دولة المؤسسات الحقيقية. الأيام القادمة لن تكون مجرد فترة زمنية عادية، بل ستكون المرآة الصادقة التي تعكس مدى جدية الإرادة السياسية في خوض غمار معركة الوجود هذه.

أخيرًا، الفساد لا يسقط بالتقادم، والمعارك الكبرى لا تُحسم بالنوايا الحسنة. إن استرداد الأموال المنهوبة خطوة ضرورية، لكن الاسترداد الأهم والأبقى هو استعادة ثقة المواطن في عدالة القانون وقدرة الدولة على حمايته؛ فبدون سيف قاطع يطبق على الجميع بلا استثناء، ستبقى القوانين مجرد نصوص حائرة، وستظل المفوضيات مجرد لافتات أنيقة على أبواب مغلقة.

﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.

ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.

البُعد_الآخر | مصعب بريــر

الثلاثاء | 7 يوليو 2026م

musapbrear@gmail.com