مصعب بريــر...يكتب

عافية القضارف.. الصدارة بالإرادة في زمن الشدائد ..!

هل يمكن للمؤسسات الجريحة أن تمنح الشفاء في زمن الشدائد؟ حين نتأمل واقع القطاع الصحي في السودان اليوم، ندرك أن بقاء بوابة مستشفى ريفي مفتوحة لاستقبال مريض ليس مجرد تفصيل إداري عابر، بل هو معركة صامتة تُدار خلف الكواليس لإبقاء الأمل على قيد الحياة. في ولاية القضارف، التي باتت تتحمل عبئاً ديموغرافياً وصحياً استثنائياً بفعل الظروف الراهنة، يتجاوز مفهوم الخدمة الطبية مجرد توفير سرير أو جرعة دواء. إنه يتعلق بقدرة المنظومة على الصمود وإعادة ابتكار نفسها من وسط الرماد. فالقضية الحقيقية اليوم لا تكمن في رصد النواقص والشكوى منها، بل في كيفية تحويل الموارد الشحيحة إلى طاقة إنقاذ حقيقية تلامس حياة الناس اليومية بشكل مباشر وبلا زيف.

من هذا المنطلق الواعي، جاء الاجتماع النصف سنوي لمديري المستشفيات بالقضارف برعاية الوزير المكلف الدكتور أحمد الأمين آدم، ليمثل لحظة مكاشفة حقيقية وتشخيصاً دقيقاً لواقع القطاع. لم يكن اللقاء مجرد تظاهرة بروتوكولية لتبادل عبارات الثناء، بل خطوة عملية لوضع اليد على الجروح العميقة للمنظومة الصحية في لحظة حرجة من تاريخ البلاد. تكمن أهمية هذا التحرك الآن في كونه يعيد ترتيب الأولويات وفق إستراتيجية واضحة تشارك فيها كافة الأطراف من إمدادات طبية وتأمين صحي وطب علاجي. إن تصدر القضارف للمؤشرات الصحية القومية في هذا التوقيت بالذات، يضع على عاتق إدارتها عبئاً مضاعفاً لإثبات أن النجاح ليس صدفة مؤقتة، بل نتاج رؤية قادرة على إدارة الأزمات بامتياز.

وللوصول إلى عمق المشهد، نجد أن التحدي الأكبر الذي واجهته الولاية يتمثل في حلقة الإمداد الدوائي الموحد ومعادلة الوفرة مقابل التكلفة. العلاقة هنا طردية ومعقدة؛ فغياب الصنف الدوائي الأساسي يعني شلل الطبيب وعجز المريض، وهو ما دفع بالاجتماع للتركيز على إصلاح نظام الإمداد عبر الصندوق القومي للإمدادات الطبية. إن الربط الذكي بين توفير أدوية الطوارئ والعلاج الاقتصادي، بالتزامن مع تفعيل 129 منفذاً للتأمين الصحي، يعكس محاولة جادة لكسر حلقة الفقر والمرض. فالأمر لا يتوقف عند جلب الدواء إلى المخازن، بل يمتد إلى ضمان استقرار سلاسل التوريد لتصل للمواطن البسيط بمأمونية وجودة عالية وبأسعار تراعي الظروف الاقتصادية الخانقة التي طحنت الأسر مؤخراً.

وفي الجانب الفني والمستتر للمنظومة، يبرز إصلاح النظام المالي والمحاسبي كمحرك خفي لنجاح هذه السياسات العلاجية. لا يمكن لقطاع صحي أن يتعافى إذا كانت شرايينه المالية تعاني من الهدر والتشوه، ومن هنا تكتسب خطوة إدخال المستشفيات في نظام الخزانة الموحدة أهمية قصوى لتعزيز الحوكمة وتجفيف منابع الفساد الإداري. هذا الإصلاح الهيكلي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالعنصر البشري؛ فسداد كافة مديونيات الكوادر الصحية وتطبيق اللائحة الموحدة يمثلان رد الاعتبار للطبيب والممرض اللذين يعملان في ظروف بالغة التعقيد. إن وضع خارطة طريق جادة لإعادة تشغيل المستشفيات الريفية بصورة سليمة، يضمن تحقيق عوائد مالية تُعاد زراعتها في أرض الخدمات الطبية مجدداً.

وإذا نظرنا إلى التجارب الدولية الشبيهة، نجد أن رواندا في مرحلة ما بعد أزماتها الطاحنة اعتمدت نموذجاً مشابهاً يقوم على ركيزتين: اللامركزية الصارمة في إدارة المستشفيات الريفية، والتأمين الصحي الشامل القائم على الكفاءة الرقمية. نجحت التجربة الرواندية لأنها ربطت التمويل المباشر بجودة الأداء وشفافية الحسابات الموحدة، تماماً كما تحاول صحة القضارف تطبيقه الآن. هذا التناغم بين الإدارة الفنية والرقابة المالية الصارمة هو الذي يحول المستشفيات من مجرد دور رعاية مستهلكة للميزانيات، إلى مؤسسات حيوية قادرة على الصمود والاستدامة في وجه الهزات الاقتصادية الكبرى، ويقدم نموذجاً عملياً واقعياً يمكن الاعتماد عليه لتطوير الخدمات وتجويدها وتوسيع مظلتها.

إن الأثر الحقيقي لهذه السياسات يظهر جلياً حين يلامس تفاصيل الحياة اليومية للمواطن البسيط في قُرى وفرقان القضارف. يتجلى ذلك بوضوح في جهود خفض وفيات الأمهات بالمؤسسات الصحية، وتفعيل مركز الاتصال الموحد (Call Center) لتلقي بلاغات الطوارئ والإسعاف بشكل فوري. هذه التفاصيل ليست أرقاماً في جداول صماء، بل هي الفارق الحقيقي بين الحياة والموت لامرأة في ريف بعيد تفصلها عن أقرب مشفى مسافات شاقة. المخيمات العلاجية التي نفذها التأمين الصحي بالتنسيق مع الوزارة سدت فجوات هائلة، ووصلت بالخدمة الطبية المتخصصة إلى مناطق جغرافية منسية، مؤكدة أن الحق في الصحة ليس امتيازاً لسكان المدن والمراكز الحضرية الكبرى فقط.

ومع تسارع خطى الإصلاح، يقف القطاع الصحي بالقضارف اليوم أمام اختبار الإيقاع المتوازن والقدرة على حماية المكاسب المحققة. لقد رفعت الولاية سقف التوقعات بتصدرها للمؤشرات القومية، لكن الاستدامة تظل التحدي الأكبر في بيئة وطنية متقلبة ومعقدة للغاية. التنسيق الكامل بين الشركاء والتزام الإمدادات الطبية برفع كفاءة سلسلة التوريد يجب ألا يتوقف عند حدود الوعود المكتوبة في محاضر الاجتماعات الفضفاضة. إن رفع مستوى الوعي المؤسسي والتوتر الفكري الإيجابي داخل أروقة الوزارة والمستشفيات، هو الضامن الوحيد لعدم التراجع إلى مربع الترهل الإداري السابق، ولتحويل خطة الطوارئ الراهنة إلى بنية تحتية دائمة ومستقرة للأجيال القادمة.

بعد اخير:

خلاصة القول، الصحة لا تُبنى بقرارات الفنادق، بل بعرق الخنادق اليومية داخل غرف العمليات وعنابر المستشفيات. إن تعافي قطاع القضارف الصحي يثبت أن الأزمة السودانية ليست أزمة موارد شحيحة، بل هي معركة إرادة وإدارة في المقام الأول.

أخيرًا، إذا لم تتحول هذه الطفرة الإدارية المؤقتة إلى نظام مؤسسي صارم يتجاوز شخوص المسؤولين، فإن هذا التعافي سيبقى مجرد وهج عابر في ليل طويل؛ فالإصلاح الحقيقي المشروط بالاستدامة هو وحده الذي يمنع سقوط المنظومة عندما تشتد العواصف.

﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.

ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.

البُعد_الآخر | مصعب بريــر

الأربعاء | 8 يوليو 2026م

musapbrear@gmail.com