مصعب بريــر...يكتب..
موسكو والخرطوم: كيف تفكك الدول الجريحة «الصفقات السامة» وتصنع دروعها؟..
قبل أن تلتئم قمة الكرملين، كان الهواء محتقناً بتوقعاتٍ كادت ترسم للمشهد نهايته قبل أن تبدأ فصوله. كانت الوكالات الغربية قد جهزت عناوينها الجاهزة عن ضغوط موسكو لانتزاع موطئ قدم عسكري على السواحل السودانية، بينما انشغلت مراكز الأبحاث في العواصم الكبرى بتحذيرات مبكرة مما سمته «الخطر الأمني الجديد في البحر الأحمر». وفي الداخل السوداني، بين بورتسودان والخرطوم، انشطر الرأي العام على وقع استقطاب حاد؛ فريق رأى في الحضور الروسي درعاً واقياً في وجه عواصف العزلة الدولية، وفريق آخر حذر من تورطٍ مكلف في صراعات الكبار قد يحول البلاد إلى ورقة مساومة خاسرة. بدا وكأن السودان محكوم مرة أخرى بالاختيار بين سيادة منتهكة أو عزلة خانقة، وكأن قدره أن يدفع ثمن جغرافيته إلى الأبد.
لكن مسار السياسة الحقيقية غالباً ما يكتبه أولئك الذين يرفضون الخضوع للخيارات الجاهزة. فحين التقى الفريق أول عبد الفتاح البرهان بالقيادة الروسية في موسكو، لم يكن حاملاً في حقيبته ملف القاعدة العسكرية المجمد منذ سنوات، ولم يكن بصدد الدخول في مقايضات تقليدية تبيع السيادة مقابل حماية مؤقتة. لقد غيّر الرجل وجهة البوصلة تماماً، متجاوزاً لغة القواعد العسكرية والجنود والاتفاقيات طويلة الأمد التي تطحنها رحى العقوبات الدولية، ليضع على الطاولة عرضاً من نوع آخر: منطقة تجارة حرة في البحر الأحمر، صوامع قمح استراتيجية، مخازن وقود، وشبكة سكك حديدية تربط موانئ العمق بقلب البلاد. بهذا الانعطاف الهادئ، أعاد السودان صياغة قواعد اللعبة، محولاً ورقة الضغط المحتملة إلى شراكة اقتصادية حية لا تثير حفيظة واشنطن ولا تعرض أمن الإقليم للخضوع المجاني.
في قاموس الإستراتيجيات الدولية، تُعرف القاعدة العسكرية التي تنشأ في ظروف استثنائية بـ«الصفقة السامة»؛ تلك التي تمنحك رصيفاً بحرياً لليوم، لكنها تسلبك غطاء المؤسسات المالية الدولية، وتضعك تحت طائلة عقوبات مباشرة، وتغلق في وجهك أبواب الصناديق العالمية وأسواق التمويل. وبالنسبة لسودان يخوض حرباً وجودية قاسية، فإن ثمن العزة الدبلوماسية والمالية باهظ ولا يطاق. وفي المقابل، كانت روسيا المستنزفة في جبهات أوروبا الشرقية تبحث عن شيء أبسط وأعمق في آن واحد؛ فهي قوة كبرى تعيد التموضع في ممرات التجارة العالمية بعد أن باتت خطوط إمدادها النفطية والتجارية تحت ضغط العقوبات ومخاطر الممرات المضطربة. لم تكن موسكو بحاجة إلى منصة إطلاق صواريخ تكلفها خصومة دولية إضافية، بل كانت بحاجة ماسة إلى مستودع آمن للقمح والوقود يستطيع تأمين تدفقات الإمداد إلى أفريقيا بعيداً عن مقصلة الحصار الغربي.
من هنا اكتسب العرض السوداني عبقريته العملية وقوته القانونية والإستراتيجية. فعندما تُدار الموانئ ومستودعات الطاقة وصوامع الغلال بواسطة شركات مدنية ضمن أطر تجارية بحتة، فإنك تقدم للطرف الدولي ما يحتاجه من أمان لوجستي دون أن تمنحه ذريعة سياسية أو عسكرية لمعاقبتك. رادار مدني لتنظيم حركة الملاحة، مخزن وقود يزود السفن التجارية، وصوامع طحين تطعم الملايين، كلها أدوات عمل مدني وإنساني واقتصادي تتحرك في منطقة رمادية بالغة الذكاء، يعجز خصوم السودان الكبار عن تصنيفها كتهديد أمني يستوجب العقوبات. هذا التحول من منطق «الحليف العسكري» إلى منطق «الشريك الاقتصادي واللوجستي» هو ما جعل الكرملين يلتقط الرسالة فوراً، مترجماً إياها في لغة الخطاب الرسمي من تحالفات مشبوهة إلى شراكة دولة راسخة تحتفل بسبعين عاماً من العلاقات الثنائية.
إن هذه الشراكة لم تُبْنَ في الهواء، بل جاءت محمولة على أرقام ومكاسب ملموسة تمس حياة المواطن اليومي بشكل مباشر في زمن الحرب والشح. فعندما يتحول الذهب السوداني المهرب عبر المسارات الجانبية إلى عقود رسمية تدخل حصيلتها مباشرة في خزينة بنك السودان، وعندما يتأمن للمواطن مخزون استراتيجي من القمح يكفي البلاد في أوقات الأزمات، وعندما تعود شرايين النقل البري والحديدي للحياة بتمويلات حقيقية تخلق آلاف فرص العمل وترفع دخل المنتجين، فإن السياسة هنا تغادر قاعات البرتوکول الباردة لتلامس رغيف الخبز ودواء المريض وأمان الأسرة. لقد أدركت القيادة السودانية أن حماية الدولة لا تكون برفض العالم، بل بإعادة هندسة المصالح بحيث تصبح الدولة ضرورة استراتيجية لشركائها، وصعبة التجاوز لخصومها.
خلاصة القول، بهذا المعنى الواسع، لم تكن رحلة موسكو تراجعاً عن السيادة ولا استجداءً لحماية خارجية، بل كانت محاولة ناجحة لتفكيك طوق الإكراه الدولي والإقليمي المفروض على البلاد عبر سلاح المصالح الاقتصادية العميقة. وحين يتعلم بلد يمر بمخاض عسير كيف يجعل خصومه الدوليين عاجزين عن معاقبته، وشركاءه حريصين على بقائه، وشعبه مطمئناً إلى أن ثرواته وجغرافيته توظف لحمايته لا لتقسيمه، فإنه يكون قد حاز المعنى الحقيقي للاستقلال في عالم لا يرحم الضعفاء.
إن قوة الدول في أوقات الأزمات لا تقاس بارتفاع أصوات الشعارات أو بكثرة المعارك الخاسرة، بل بقدرتها على اكتشاف الزاوية التي تصبح فيها حاجتها للآخرين حاجة متبادلة ومصانة بلغة المصالح.
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.
ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
البُعد_الآخر | مصعب بريــر
الاثنين | 2 نوفمبر 2026م