طلعت دفع الله...يكتب...
دروس سودانية في التونجيا والزراعة الغابية التشاركية...
حين تفقد قرية غابتها، تخسر أكثر من الأشجار؛ إذ تضيق موارد الوقود والعلف والغذاء والدواء، وتضعف حماية التربة، وتتراجع فرص الكسب. لذلك فإن استعادة الغابات تمس حياة الأسر بقدر ما تمس الأرض. ومن هنا تأتي أهمية سؤال طالما غاب عن مشروعات التشجير: ما المكان الذي نمنحه لأهل الغابة في مستقبلها؟
يعيد تقرير للأكاديمية العربية الألمانية للعلماء الشباب، بعنوان «استجابات مجتمعية لأزمات الطاقة والمياه والغذاء»، طرح هذا السؤال من خلال التجربة السودانية. وفي نسخته الأولية المؤرخة أكتوبر 2026، يجمع التقرير بين قراءة لتاريخ التونجيا، شاركتُ في إعدادها مع زملاء، ودراسة حالة عن الزراعة الغابية التشاركية في السودان. وتلتقي المادتان عند درس واضح: تزداد فرص نجاح استعادة الغابات عندما يجد السكان حقوقاً مستقرة، ومنافع مفهومة، ومساندة تستمر بعد الغرس.
والتونجيا، على غرابة اسمها لدى بعض القراء، فكرتها بسيطة. إنها أحد أساليب الزراعة الغابية، يُسمح فيه للمزارعين بزراعة محاصيل غذائية بين الأشجار الصغيرة خلال سنوات تأسيس الغابة. يُتاح للمزارع الانتفاع بالأرض ومحصولها لفترة محدودة، وتستفيد إدارة الغابات من العمل الذي يساعد على تنشئة الأشجار وخفض تكلفة إنشائها. لكن ما يبدو تبادلاً نافعاً في البداية قد يختل حين تتسع تيجان الأشجار وتضيق المساحة المتاحة للمحاصيل: ماذا يبقى للمزارع بعد ذلك؟
دخلت التونجيا السودان في أوائل ثلاثينيات القرن الماضي، بمزارع التيك في الاستوائية. وكان الاهتمام يومئذ منصباً على إنشاء الغابات بتكلفة منخفضة، أكثر من بناء شراكة طويلة الأجل مع السكان. زرع المزارعون الذرة الرفيعة والفول السوداني بين الأشجار، وأسهموا بعملهم في تأسيس مورد يبقى سنوات طويلة، بينما ظل انتفاعهم بالأرض قصير العمر. وحين غاب نصيبهم من منافع الغابة اللاحقة، ضعف الحافز إلى مواصلة رعايتها.
ومع امتداد تطبيق التونجيا إلى غابات الهشاب وغابات السنط النيلية، تفاوتت النتائج. ففي التجارب النيلية التي يعرضها التقرير، ساعدت خصوبة التربة وتوافر المياه وقرب القرى والإشراف المباشر على تحسين الأداء. وكانت المساحات المفتوحة سنوياً محدودة، والاتفاقات أوضح، والمتابعة أيسر. أما في غابات الضهرة، أي الغابات البعيدة عن النيل، فقد خُصصت مساحات واسعة دون تخطيط كافٍ أو إشراف وإرشاد يتناسبان مع امتدادها.
وفي بعض هذه المواقع، اتجه منتفعون إلى إعاقة تجدد الأشجار لإطالة بقاء المحاصيل، وترافقت التجربة مع القطع غير المشروع وإنتاج الفحم والتدخلات السياسية وضعف تنفيذ القواعد. وتكشف هذه الممارسات خللاً في العلاقة نفسها: يُطلب من الناس الحفاظ على غابة يضيق انتفاعهم المباشر كلما نمت، من دون ترتيب واضح يعوضهم بمنافع لاحقة. وفهم هذا الخلل يساعد على إصلاحه، مع بقاء مسؤولية حماية المورد ومحاسبة المعتدين عليه.
بدأ التحول الأبرز في الثمانينيات والتسعينيات، عندما دعمت برامج تنموية الإرشاد والتدريب والحقول الإيضاحية، وأتاحت للسكان دوراً أوسع في الإدارة. ففي غابة الرواشدة بشرق السودان، ارتبط تأهيل الغابة بتنظيم الأهالي في لجان، وبمساندة القيادات الأهلية والإرشاد المستمر. وجمعت التجربة الهشاب والطلح بالمحاصيل الأساسية، مع تنظيم الانتفاع بالرعي والمنتجات الغابية. وفي غابة العين بشمال كردفان، شاركت ثماني قرى في الإدارة المشتركة، ضمن قواعد للزراعة والرعي وحطب الوقود.
وتضيف دراسة الحالة شواهد من غابة نبق المحجوزة بجنوب كردفان، وغابتي الدلو والطمامة، ومواقع في إقليم النيل الأزرق. ففي نبق، أتاحت اتفاقات رسمية زراعة السمسم واللوبيا بين صفوف الهشاب، فوفرت المحاصيل غذاءً ودخلاً أثناء نمو الأشجار، مع فرصة لعائد لاحق من الصمغ. وفي النيل الأزرق، جمعت تجارب حقلية الهشاب بالذرة الرفيعة والسمسم، ودرست استخدام الأرض والمياه، إلى جانب ممارسات للتقليم وطق الصمغ وحصاد المياه ومتابعة رطوبة التربة.
وكانت معرفة المزارعين جزءاً من العمل. فقد أسهموا بخبرتهم في التربة والمطر والرعي وأداء المحاصيل، وعدّلوا ترتيبات الزراعة مع نمو الأشجار. وربط التدريب هذه المعرفة بالملاحظة والقياس العلمي، وشاركت النساء في الإدارة والإرشاد. كما ساعد توفير الشتول والبذور والأدوات وأشكال من الدعم المعيشي الأسر على المشاركة في المراحل الأولى. فالمشاركة تحتاج، إلى جانب الرغبة، قدرةً على تحمل تكاليفها.
ويورد التقرير نتائج مشجعة: زيادة مساحة الغطاء الغابي الكثيف في نبق بأكثر من ألف هكتار، وتراجع الأرض العارية بأكثر من أربعمائة هكتار، وزيادة الغطاء النباتي في الدلو والطمامة بنحو 39 في المائة بين عامي 2010 و2021؛ وهي في هاتين الغابتين نتيجة تخص فترة سابقة للحرب، ولا تصف حالتهما الراهنة. ويذكر أن تجارب النيل الأزرق حافظت على غلة المحاصيل مع تحسين استخدام الأرض والمياه. وهذه شواهد جديرة بالاهتمام، مع مراعاة أن التقرير يقدمها بإيجاز، ولا يفصل طرائق قياسها أو أثر العوامل الأخرى؛ ولذلك تؤخذ بوصفها نتائج للتجارب المعروضة، لا ضماناً لتكرارها في كل موقع.
وتتضح قيمة هذه التجارب حين ننظر إلى الغابة في حياة الأسرة: الأشجار تساعد على حماية التربة والاحتفاظ بالماء، والمحاصيل توفر الغذاء والعائد القريب، والصمغ يفتح باباً لدخل لاحق، والمنتجات الغابية المدارة باستدامة تسند احتياجات الوقود والعلف. هكذا يرتبط تأهيل الأرض بأسباب المعيشة، ويصبح استمرار الغابة ذا معنى يومي لمن يعيشون حولها.
ومن هذه الخبرة يمكن فهم معنى أن يكون السكان حراساً للغابات. فالحراسة التي تستمر تنشأ من إحساس الناس بأن لهم حقاً في المورد، وقدرة على التأثير في إدارته، ونصيباً عادلاً من ثماره. أما تكليفهم بالحماية مع إبقاء القرار والعائد بعيدين عنهم، فيعيد إنتاج العلاقة القديمة بألفاظ أكثر لطفاً. الشراكة الحقيقية تظهر في الاتفاقات والممارسة وتوزيع المنافع.
وأول ما تحتاج إليه هذه الشراكة اتفاقات مكتوبة ومفهومة تحدد مدة الانتفاع، والمنتجات المسموح بها، وكيفية توزيع عوائدها، ومسؤوليات الأطراف، وسبل تسوية الخلافات. ويجب أن تجيب بوضوح عن مصير حقوق المزارع حين تكبر الأشجار وتنتهي زراعة المحاصيل بينها. وتستطيع لجان القرى والقيادات الأهلية أن تسند هذه الترتيبات، متى اتضحت قواعد اختيار المشاركين وحفظ السجلات والمساءلة.
وتحتاج العدالة أيضاً إلى تمثيل فعلي للنساء والشباب وصغار المنتجين، وإلى مراعاة مستخدمي المورد، بمن فيهم الرعاة. فوجود لجنة محلية وحده لا يكفي إذا استأثر بعض ذوي النفوذ بالأرض والعائد. والمشاركة التي تقوي الثقة تتيح للناس معرفة حقوقهم، ومراجعة القرارات التي تمسهم، والتظلم حين تُهدر مصالحهم.
ويبقى للدولة ومؤسسات الغابات دور أساسي في حماية المورد وتنظيم الانتفاع وتوفير الخبرة والتمويل والمتابعة. والإرشاد هنا حاجة متجددة طوال عمر المشروع؛ تبدأ برعاية الشتول، ثم تتصل بعلاقة الأشجار بالمحاصيل، وتنظيم الرعي، وإنتاج الصمغ. وحين يتوقف بانتهاء التمويل الخارجي، تُترك الأسر أمام التزامات تتغير من دون المساندة اللازمة للوفاء بها.
وللتجربة حدود بيئية يجب احترامها. فالأشجار والمحاصيل قد تتنافس على الماء، خاصة عند شح المطر، وتختلف التربة والكثافات والمسافات المناسبة من موقع إلى آخر. ولهذا يحتاج التوسع إلى تجارب محلية ومتابعة وتعديل، وإلى تبادل الخبرات بين المزارعين والباحثين. والتونجيا وسيلة لتأسيس الغابة وتأهيلها في المواقع الملائمة، ولا يصح اتخاذها ذريعة لفتح الغابات الطبيعية السليمة للزراعة.
وفي سياق التعافي في السودان، تقود هذه الدروس إلى اقتراح عملي: البدء بمواقع محددة تتوافر فيها ظروف العمل، وتشخيص حالتها مع الأهالي، ثم الاتفاق على الحقوق والاستخدامات قبل توزيع الشتول. ومن مقتضيات هذا المسار في المناطق المتأثرة بالنزوح صون حقوق الغائبين والعائدين، حتى لا ينشأ عن التأهيل نزاع جديد على الأرض. ويُقاس التقدم ببقاء الأشجار وتجددها، وبما يتحقق للأسر من دخل وغذاء، وبعدالة توزيع العائد واستمرار المشاركة بعد انحسار الدعم.
تحمل التجربة السودانية ما يستحق أن نستعيده ونتعلم منه. فقد أظهرت أن رعاية الغابة تصبح أقرب إلى الاستمرار حين يجد الناس فيها مستقبلاً لهم. ومن يغرس شجرة، ويحميها في سنوات ضعفها، يجب أن يعرف كيف سيشارك في منافعها حين تقوى. عندئذ تتصل مصلحة الأسرة ببقاء المورد، وتصبح حماية الغابة عملاً مشتركاً له جذور في حياة الناس.
المصدر
الأكاديمية العربية الألمانية للعلماء الشباب AGYA. استجابات مجتمعية لأزمات الطاقة والمياه والغذاء ممارسات ودروس ورؤى من المنطقة العربية وألمانيا. تقرير أولي، أكتوبر 2026. يستند المقال إلى قراءة عربية تحريرية وتحليلية للمادتين في الصفحات 17–20 و22–25، مع الاستفادة من الخاتمة في الصفحتين 42 و47.
ما وراء غرس الأشجار دروس قرابة قرن من التونجيا في استعادة الغابات بمشاركة أهلها
إعداد البروفيسور طلعت دفع الله عبد الماجد، والدكتور احمد مصطفى مراد حسوبة، والدكتور أحمد حسب الكريم صديق. الصفحات 17–20.
تنمية القدرة على الصمود الزراعة الغابية بقيادة المجتمعات المحلية في السودان
إعداد الدكتور أحمد علي حسب الكريم صديق. الصفحات 22–25.
Proceedings of training of national correspondents on assessing and monitoring of forest land use and changes. 17th to 21st November 2003, Rome, FAO. Forest Resources Assessment Working Paper n.80