د. إبراهيم شقلاوي...يكتب..
الحوار السوداني.. التوافق أم المحاصصة؟..
بالأمس، تناول الأستاذ عثمان ميرغني، في عموده حديث المدينة بصحيفة التيار تحت عنوان "صناعة مؤتمر حوار مؤثر" مآلات الحوار السوداني–السوداني، مستعيناً باستعارة ناقل الحركة في السيارة الأوتوماتيكية، ليضع ثلاثة سيناريوهات أمام المؤتمر المرتقب، النجاح المؤثر (D)، والجمود (N)، والانفضاض (R). وجعل من الوصول إلى وثيقة توافق وطني وتشكيل هيئة تشريعية انتقالية نقطة ارتكاز لقياس نجاح الحوار وقدرته على إحداث تغيير في الواقع السياسي.
هذه المقاربة تنقل النقاش من انعقاد المؤتمر إلى طبيعة ما ينبغي أن ينتج عنه. وفي تقديري، فإن سيناريو (D) هو الأكثر جدارة بالدعم والعمل من أجله، فالبلاد في ظل الحرب وضعف الأداء والضغوط الخارجية ، تحتاج إلى صيغة تعيد بناء الحد الأدنى من الشرعية السياسية، وتفتح الطريق أمام استعادة عمل المؤسسات. لكن السؤال الذي يسبق الاحتفاء بهذا السيناريو هو، أي توافق نريد؟ وعلى أي أساس ستُبنى الهيئة التشريعية؟
إن التوافق ليس مجرد جمع للأطراف حول طاولة واحدة، ولا توزيع للمقاعد وفق أوزان القوى ومواقعها التفاوضية، وإنما إدارة للمصالح والتباينات ضمن مرجعية وطنية تتقدم فيها مصلحة البلاد على حسابات المكونات او النفوذ . وهنا تكمن المسافة بين توافق يؤسس لمرحلة جديدة، ومحاصصة تعيد إنتاج الأزمة بأسماء وواجهات وشعارات مختلفة.
لا يمكن تجاهل أن أي تسوية سياسية، ستتعامل مع واقع معقد، تتداخل فيه موازين القوى والمصالح الحزبية ومخاوف الإقصاء، فضلاً عن تأثيرات الحرب والتدخلات الإقليمية والدولية. ومن ثم، فإن افتراض الوصول إلى توافق بلا تنازلات متبادلة ليس واقعياً. فالسياسة في أصلها فن إدارة الممكن، والتوافق لا يعني التطابق، وإنما الاتفاق على قواعد مشتركة تمنع الاختلاف من التحول إلى صراع على وجود الدولة.
لكن البراغماتية لا تعني التساهل مع إعادة تدوير النخب، أو تحويل الهيئة التشريعية الانتقالية إلى مساحة لتقاسم النفوذ. فالمؤسسة التي تنشأ من محاصصة مغلقة قد تحمل اسم التوافق، لكنها تظل أسيرة الأطراف التي أنشأتها، وتصبح قدرتها على التشريع والرقابة محدودة بحدود التفاهمات التي أنتجتها. لذلك لا ينبغي أن تُستمد شرعيتها من عدد القوى المشاركة فيها وحده، بل من وضوح معايير التمثيل، ومرجعيتها الدستورية، واختصاصاتها ومدتها الزمنية، وآليات مساءلتها واستقلالها الفعلي.
وهنا تبرز أهمية المجلس التشريعي باعتباره نتيجة طبيعية للحوار. فغياب البرلمان منذ عام 2019 كرس اختلالاً في التوازن الدستوري، وترك القرارات المصيرية المتعلقة بالحرب والسلام والسيادة والاقتصاد دون رقابة تشريعية. وهذا الفراغ لا يضعف مؤسسات الدولة داخلياً فحسب، بل يجعل القرار الوطني أكثر عرضة للضغوط والتدخلات الخارجية.
إن المجلس التشريعي ليس خصماً للسلطة التنفيذية، بل سند دستوري يوسع قاعدة المسؤولية الوطنية، ويمنح القرارات المصيرية غطاءً مهما يتجاوز إرادة الأفراد وموازين القوى والنفوذ. وفي ظل الحرب، تزداد الحاجة إليه، لأن قضايا السلام والتفاوض ومستقبل الدولة لا ينبغي أن تظل محصورة في دوائر محدودة، مهما كانت مشروعية الظروف التي فرضتها.
ومن المهم التمييز بين شرعية التمثيل وشرعية الإنجاز. فالتوافق على تشكيل المجلس يمكن أن يكون بداية لاستعادة المؤسسات، لكنه لا يمنحه تفويضاً مفتوحاً، ولا يعفيه من إثبات قدرته على أداء مهام المرحلة. كما أن التمثيل السياسي، على ضرورته، ينبغي ألا يبتلع الحضور المجتمعي، خاصة النساء والشباب والنازحين واللاجئين والإدارات الأهلية والكيانات المجتمعية، حيث لا يجوز أن تظل أصواتهم خارج معادلة تقرير مستقبل البلاد.
لكن التحدي الأكبر لا يكمن في تشكيل المجلس وحده، بل في طبيعة السلطة التي سيمارسها، وحدود استقلاله، وقدرته على مساءلة القوى التي شاركت في تأسيسه. فالمؤسسة التي لا تملك حق الرقابة على القوى التي أوجدتها تظل أسيرة التوافق الذي أنشأها، مهما اتسعت عضويتها. ولا يُقاس نجاح الحوار بقدرته على إنتاج اتفاق بين النخب فحسب، بل بتحويل هذا الاتفاق إلى مؤسسات فاعلة يشعر المواطن من خلالها أن صوته أصبح جزءاً من القرار، وأن التوافق بدأ ينعكس على أمنه وحقوقه ومعاشه.
ومن زاوية #وجه_الحقيقة، فإن نجاح الحوار يتطلب خارطة طريق واضحة تربط التوافق السياسي باستعادة الأمن والسلام، والمؤسسات وتحقيق العدالة، مع العمل على تفادي السيناريوهين (N) و(R)، سواء انتهيا إلى جمود العملية أو انفضاض أطرافها. فالتوافق لا يُقاس بتقاسم المقاعد، ولا باستعجال الاتفاق، وإنما بقدرته على إنتاج مشروع وطني يمنع احتكار المرحلة الانتقالية. فالسودان لا يحتاج إلى اتفاق يجمع القوى حول السلطة، بقدر ما يحتاج إلى مشروع يجمع السودانيين حول الدولة.
دمتم بخير وعافية
الأثنين 2 نوفمبر 2026 م. Shglawi55@gmail.com