اماني ابو فطين..تكتب..

هل يصبح القطب الشمالي بديلاً للملاحة عن قناة السويس؟ (قراءة في رحلة "سيول" التاريخية)

​في ظل التوترات المتصاعدة والاضطرابات التي تشهدها طرق التجارة العالمية في الشرق الأوسط والبحر الأحمر، تبرز خطوط الملاحة الدولية أمام منعطف تاريخي حاسم، ومع إعلان كوريا الجنوبية (سيول) مؤخراً عن إبحار أول سفينة حاويات تجارية تابعة لها "بانستار أكرو" في رحلة تجريبية عبر طريق القطب الشمالي متجهة إلى أوروبا، يعود للواجهة سؤال المليار دولار: هل يمثل القطب الشمالي فعلياً "البديل الآمن" لقناة السويس والبحر الأحمر؟ أم أنه مجرد ممر موسمي محدود النطاق؟


​لا شك أن الدافع وراء الالتفات نحو "طريق البحر الشمالي" عبر المحيط المتجمد الشمالي يكمن في المزايا الجغرافية البحتة التي يوفرها، فوفقاً لتقديرات المعاهد الاقتصادية ووزارة المحيطات الكورية، يختصر هذا المسار الرحلة البحرية بين موانئ شرق آسيا مثل بوسان وموانئ شمال أوروبا بنحو 7 آلاف كيلومتر، ويقلص زمن الرحلة بنحو 10 إلى 20 يوماً مقارنة بالمسار التقليدي عبر قناة السويس.

​تأتي هذه الخطوة الكورية_ التي تسير على خطى خطوات صينية سابقة – كرد فعل مباشر على الهزات الارتدادية للحروب والتوترات في منطقة الشرق الأوسط ومضيق باب المندب، والتي دفعت كبرى شركات الشحن العالمية للبحث عن خيارات طوارئ تحمي سلاسل الإمداد من الارتفاع الجنوني في تكاليف التأمين والوقود.

​عقبات كبرى تعرقل "العرش الملاحي الجديد"

​على الرغم من جاذبية الأرقام، إلا أن الخبراء يجمعون على أن تحول القطب الشمالي إلى بديل حقيقي ودائم لقناة السويس يواجه ترسانة من العقبات المعقدة، أبرزها:

​طبيعة موسمية صارمة: يظل القطب الشمالي متجمدًا وغير صالح للملاحة الآمنة المنتظمة طوال أشهر الشتاء، مما يجعله ممرًا موسميًا يقتصر افتتاحه على شهور الصيف والذوبان الجليدي النسبي.

​الاعتماد على السيادة الروسية: يمر الجزء الأكبر من الممر الشمالي عبر المياه الإقليمية وتحت الولاية القضائية الروسية، مما يفرض على السفن الحصول على تصاريح صارمة ودفع رسوم مرشدين، ويضع الشركات الآسيوية في حرج مباشر مع العقوبات الغربية المفروضة على موسكو.

​المخاطر البيئية والتقنية: تتطلب الملاحة القطبية سفناً ذات مواصفات خاصة (تصاميم مقاومة للجليد وشهادات بولارية معقدة)، ناهيك عن التحذيرات البيئية الصارمة من أن تزايد حركة السفن يسرع من ذوبان الجليد القطبي ويهدد المنظومة البيئية العالمية.


​مهما بلغت محاولات استكشاف طرق بديلة، ستظل قناة السويس الممر الأقصر والأكثر استدامة لتجارة العالم بين الشرق والغرب على مدار العام (365 يوماً دون انقطاع بسبب الجليد)، ودون تعقيدات سياسية معقدة أو متطلبات لوجستية بااهظة التكلفة.

إن رحلة السفينة الكورية، وقبلها السفن الصينية، تفسر كـ "مناورات استكشافية لحالات الطوارئ" تمليها الضرورة الأمنية المؤقتة، وليست رصاصة الرحمة في وجه المجرى الملاحي للبحر الأحمر .

​إن إرسال سيول لسفينة الحاويات عبر القطب الشمالي يعكس يقيناً أن خارطة التجارة العالمية تتغير وتتكيف مع الأزمات الجيوسياسية. لكن القطب الشمالي سيظل، لسنوات طويلة قادمة، خيارًا موسمياً ضيق النطاق للنخبة وليس بديلاً استراتيجياً شاملًا،ويبقى الرهان الحقيقي معقوداً على استقرار الطرق التقليدية وتطويرها، حيث تبقى قناة السويس هي الشريان النابض الذي يصعب الاستغناء عنه.