توفيق البدري عكاشة...يكتب...

هي في يقيني من طارئات الصحافة.

ومن الذين ولجوا البلاط على غفلة، ما عرفتهم ديسكات التحرير، وما جلسوا فيها يحررون خبراً، أو يصيغون تحقيقاً، أو يسابقون الزمن ليعافروا تقريراً يدركون به النشر في عدد الغد.

أنستها هي والكثيرون أنهم ولجوا من باب الكتابات المعلبة.. "صالحة للاستخدام".. ولكنها تفعل في العقول ما تفعله المواد الحافظة ومكسبات اللون والنكهة في الجسد. تُشبع العين وتُمرض الروح.


ولذلك هاجمت زميلنا فيصل محمد صالح.


ولكن.. قبل أن أرد عليها.. أتذكر رجلاً.


عرفت أبا وضاح (صلاح دهب) - زوجها - رحمه الله وغفر له. عرفته صحفياً رياضياً مطبوعاً، وقبل ذلك إنساناً كامل الإنسانية، عف اللسان والقلم، لا يصدر عنه إلا ما يشرح الصدور ويذكي المحبة.


وعرفت وضاحاً مما كان يتداوله الزملاء في القسم الرياضي بصحيفة كنا نعمل بها ويملكها الأرباب صلاح إدريس. وقد استأجر طائرة خاصة لإحدى سفريات فريق الهلال، فانبرى الزملاء من الصحفيين للصعود للطائرة لمرافقة الفريق، فاستوقف الأرباب أحدهم - وقد طرأ بينهم من خلاف - استوقفه من ركوب الطائرة ونادى: (يا وضاح.. اركب مكانه).


هكذا تُحجز المقاعد في السماء.. بالمحبة وعفة اللسان، لا بالصراخ.


وإكراماً لذكرى أبي وضاح.. نعاتب أم وضاح عتاباً.. لا نهاجمها هجوماً.


أما عن فيصل.. فدعوني أسترسل في سيرته التي أعرفها.


عرفنا زميلنا فيصل محمد صالح لأعوام عندما تولى رئاسة تحرير صحيفة " الأضواء" وكنا نشغل فيها إدارة التحقيقات الصحفية.


عرفناه مهنياً لا يثنيه ترهيب ولا يغويه إغراء عن جادة الحق والمهنة.


نشرنا عشرات التحقيقات الكاشفة للفساد.. فكان الظهير الذي لا يكشف عقبي منسوبي الصحيفة.. ورئيس التحرير الذي لا يقدم التنازلات قرباناً لعلاقات خاصة أو مكاسب مادية.


حجبوا عن الصحيفة الإعلان بسبب تحقيقات الفساد .. فلم يتنازل فيصل ولم يساوم.


فكانت صفة أطلقها علينا الزملاء في قسم الإعلان بقيادة الزميل الفاضل مصطفى عبد الكريم.. صفة صارت بمثابة النيشان على صدورنا في قسم التحقيقات وعلى صدر رئيس التحرير:

"قسم التحقيقات.. عدو الإعلان"


نعم.. كنا عدو الإعلان.. وصديق القارئ.. وكان فيصل هو من يعلمنا أن الصحيفة التي تخاف على الإعلان أكثر من خوفها على الحقيقة.. تموت وإن صدرت.


فهل يا أم وضاح.. من كان هذا تاريخه.. يُهاجم بقلم معلب؟


هل من دفع ثمن الكلمة سجناً وتشريداً حين كان ثمن الصمت هو السلامة.. يُقيمه من ولج البلاط على غفلة؟