حين تصبح المهنة مدرسةً في الدقة والأمانة...

منونة بت الشيخ حمد...تكتب..

««وما المرءُ إلا حيث يجعلُ نفسَهُ

فكنْ حيثُ شئتَ تكنْ»»

في كل مدينة رجال تمر أسماؤهم في الذاكرة مروراً عابراًورجال آخرون تظل سيرتهم مرتبطة بمعنى أكبر من الوظيفة والمسمى

رجالٌ تعرفهم من دقة تعاملهم قبل كلامهم

ومن أمانتهم قبل مواقعهم

ومن حرصهم على التفاصيل قبل أن تتحدث عن إنجازاتهم

ومن هذا النوع تأتي سيرة

أ. قرشي مصطفى عبد الله محمد


رجلٌ ارتبط اسمه بالعمل المصرفي لسنوات طويلة، حتى أصبحت الخبرة عنده ليست مجرد سنوات تُضاف إلى السيرة الذاتية، وإنما معرفة متراكمة صنعتها الممارسة اليومية والمسؤولية والتدرج والانضباط


من حِلّة الملك بالقضارف بدأت الحكاية

ومن مدارسها كانت البدايات الأولى

ثم امتد الطريق بين المصارف والأقسام والفروع والمدن، حتى وصل إلى مواقع قيادية ظل فيها قريباً من تفاصيل العمل، مدركاً أن العمل المصرفي قبل أن يكون أرقاماً وحسابات هو ثقة وأمانة ومسؤولية


بداية هادئة لمسيرة طويلة


تلقى قرشي مصطفى تعليمه في مدرسة الملك الابتدائية، ثم القضارف الشمالية المتوسطة، وواصل دراسته في القضارف التجارية، قبل أن يلتحق بـ جامعة النيلين وينال بكالوريوس المحاسبة

ولأن المعرفة عنده لم تكن محطة تنتهي عند الشهادة، واصل طريقه الأكاديمي بالالتحاق ببرنامج ماجستير إدارة الأعمال MBA بجامعة القضارف وهو قيد الدراسة

وفي العام 1992 بدأت مسيرته المصرفية موظفاً في مصرف المزارع التجاري بالقضارف

كانت بداية تبدو في ظاهرها عادية

لكن السنوات اللاحقة أثبتت أن الرجل كان يبني تجربته من موقع إلى موقع، ومن مسؤولية إلى مسؤولية


التدرج الذي يصنع الخبرة


في مسيرته المهنية تنقل قرشي بين عدد من المواقع المصرفية المهمة

فتولى رئاسة قسم الخزينة والتحاويل بمصرف المزارع التجاري في كوستي خلال الفترة من 2001 إلى 2002

ثم انتقل إلى كسلا رئيساً لقسم الاستثمار خلال الفترة من 2002 إلى 2003

وعاد إلى القضارف رئيساً لقسم الحسابات الجارية بمصرف المزارع التجاري من 2003 إلى 2008

ثم انتقل إلى البنك العقاري التجاري السوداني رئيساً لقسم الحسابات الجارية خلال الفترة من 2008 إلى 2010

وبعدها تولى رئاسة قسم الاستثمار من 2010 إلى 2012

ثم جاءت مرحلة إدارة فرع البنك العقاري التجاري السوداني بالقضارف عام 2012

ومنذ عام 2019 يتولى إدارة فرع البنك العقاري التجاري السوداني ببورتسودان

وهكذا يمكن قراءة مسيرته المهنية كطريق واضح من الممارسة إلى التخصص ثم القيادة


فالرجل لم يبدأ من قمة الهرم

بل عرف العمل من تفاصيله

وعرف الأقسام من داخلها

وعرف العملاء ومشكلاتهم واحتياجاتهم

وعرف طبيعة القرار المصرفي وما يترتب عليه

ثم حمل بعد ذلك مسؤولية الإدارة

وهذه من أجمل صور التدرج المهني

في المهنة التي لا تحتمل الخطأ

العمل المصرفي بطبيعته يحتاج إلى صفات لا تُكتسب بالشعارات

يحتاج إلى الدقة لأن الرقم الواحد قد تكون وراءه حقوق والتزامات

ويحتاج إلى النظام لأن الفوضى في العمل المصرفي ليست مجرد ارتباك، وإنما قد تؤثر في مصالح مؤسسات وأفراد

ويحتاج إلى الأمانة لأن الثقة هي رأس المال الحقيقي في هذه المهنة

ويحتاج إلى الحرص لأن التفاصيل الصغيرة كثيراً ما تصنع الفارق

ويحتاج قبل ذلك كله إلى حسن التعامل لأن وراء كل معاملة مصرفية إنساناً ينتظر خدمة أو حلاً أو توجيهاً

وهذه الصفات هي التي تجعل سنوات الخبرة ذات معنى


ولهذا فإن الحديث عن

أ. قرشي مصطفى لا يقف عند عدد السنوات التي قضاها في القطاع المصرفي، وإنما يمتد إلى طبيعة الخبرة التي اكتسبها من مواقع متعددة في الخزينة والاستثمار والحسابات والتمويل وإدارة الفروع


قيادة تعرف التفاصيل


في إدارة الفروع تتسع المسؤولية

فمدير الفرع لا يتعامل مع ملف واحد، وإنما مع منظومة كاملة من العمل والموظفين والعملاء والعمليات والأهداف والسياسات

وفي موقعه الحالي مديراً لفرع البنك العقاري التجاري ببورتسودان، تتصل مسؤولياته بإدارة العمليات المصرفية اليومية، وقيادة فريق العمل، ومتابعة مؤشرات الأداء، والإشراف على التمويل والاستثمار، وتطوير العلاقات مع كبار العملاء، ومتابعة الالتزام بالسياسات المصرفية

وهنا تظهر قيمة الخبرة المتراكمة

فمن عمل في الخزينة والتحاويل يعرف حساسية الحركة المالية

ومن عمل في الحسابات يعرف قيمة الانضباط والدقة

ومن عمل في الاستثمار يعرف معنى دراسة القرار ومخاطره

ومن تولى إدارة الفرع يعرف أن كل هذه التفاصيل يجب أن تعمل معاً


المعرفة التي لا تتوقف عند المسمى


تراكمت لديه خبرات مهنية في إدارة الفروع والعمليات المصرفية والمصرفية التجارية ومصرفية الأفراد وإدارة الاستثمار والتحليل الائتماني والتحليل المالي وإدارة المخاطر والالتزام

كما امتدت خبراته إلى مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، والرقابة المصرفية، وتسويق الخدمات المصرفية، وإدارة علاقات العملاء، والتخطيط الاستراتيجي، وتطوير الأعمال، وقيادة الفرق، واتخاذ القرار والتفاوض وحل المشكلات

وهي مساحات متعددة تؤكد اتساع التجربة وتنوعها


المصرفي الذي له حضور خارج المكتب


ولأن الشخصية المهنية لا تُقاس بالمكتب وحده، كان لقرشي مصطفى حضور في العمل الاجتماعي والمهني

فقد تولى أميناً عاماً لدار الجهاز المصرفي بالقضارف، كما تولى أمانة مجلس أمناء المصارف بفروع مدينة القضارف

وشغل سابقاً منصب الأمين العام لمجلس إدارة نادي الشرطة بالقضارف، كما تولى سابقاً نائب الرئيس للشؤون المالية بنادي حي العرب ببورتسودان

وهي مواقع تعكس جانباً آخر من حضوره في محيطه المهني والاجتماعي، وتؤكد أن علاقته بالعمل لم تكن محصورة في حدود الوظيفة الرسمية.


حين يأتي التقدير من المؤسسة


خلال مسيرته المهنية نال عدداً من شهادات الإشادة والتقدير

منها شهادة إشادة صادرة عن مجلس إدارة البنك العقاري بتاريخ 1 مايو 2013

وشهادة إشادة وتقدير صادرة عن لجنة التمويل والتعثر بتاريخ 29 مايو 2014

ثم شهادة إشادة وتقدير صادرة عن مجلس إدارة البنك العقاري بتاريخ 16 فبراير 2018

والتوثيق هنا لا يحتاج إلى زيادة

فالتقدير المهني حين يأتي موثقاً من المؤسسة التي يعمل فيها الرجل يصبح جزءاً من سجل تجربته.


المعرفة التي تتحول إلى مشاركة


شارك قرشي في الندوات والفعاليات المصرفية، وقدم أوراقاً في مجال التمويل الأصغر، كما أسهم في العمل النقابي والمصرفي

ومن مشاركاته إعداد وتقديم ورقة بعنوان «أهمية الجمعيات التعاونية في مواقع العمل» ضمن فعاليات اتحاد عمال ولاية القضارف، تناول فيها دور الجمعيات التعاونية في تحسين بيئة العمل وتعزيز التكافل الاجتماعي ودعم الاستقرار الاقتصادي للعاملين

كما أعد وقدم ورقة بعنوان «دور البنك العقاري في دعم التمويل الأصغر بولاية كسلا»، تناولت دور البنك في تمويل الأفراد والمشروعات والإسهام في التنمية الاقتصادية بالولاية


قرشي كما تعرفه القضارف


ربما أجمل ما يمكن أن يقال في رجل قضى سنوات طويلة في مهنة دقيقة، أن سيرته لا تختصر في عدد المناصب التي شغلها

فالمنصب ينتهي

لكن طريقة الرجل في أداء المنصب هي التي تبقى

والخبرة لا تُقاس فقط بعدد السنوات

بل بما يتعلمه الإنسان منها وما يتركه فيمن حوله


وفي حالة قرشي مصطفى تبدو قيمة المسيرة في هذا التدرج الهادئ


بدأ من موظف بنك في القضارف عام 1992

ثم تنقل بين مواقع متعددة

حتى أصبح مديراً لفرع مصرفي كبير

وبين البداية والنهاية مرت أكثر من ثلاثة عقود من العمل المصرفي

ثلاثة عقود من الأرقام والملفات والقرارات والعملاء والموظفين والمسؤوليات

ثلاثة عقود تحتاج من صاحبها إلى دقة تحفظ الحقوق، ونظام يحفظ العمل، وأمانة تحفظ الثقة، وحرص يحفظ التفاصيل، وتعامل راقٍ يحفظ الإنسان قبل المعاملة

وهذه صفات لا تُكتب في خانة الشهادات

لكنها هي التي تعطي الشهادة معناها


من حِلّة الملك إلى ذاكرة القضارف


حين نكتب سيرة قرشي مصطفى في «القضارف لا تنسى سيرة رجال وأثر» فنحن لا نوثق موظفاً مصرفياً فحسب

نحن نوثق نموذجاً من أبناء القضارف الذين بدأت خطواتهم من مدارسها وأحيائها، ثم اتسع الطريق أمامهم دون أن تنقطع صلتهم بالمكان

من حِلّة الملك بدأت الخطوة الأولى

ومن القضارف جاءت البدايات

ومن المصارف جاء التخصص

ومن سنوات العمل جاءت الخبرة

ومن الخبرة جاءت القيادة

ولعل أجمل ما في السيرة أن الطريق لم يكن قصيراً ولا سهلاً ولا قائماً على قفزة واحدة

إنما كان درجة وراء درجة

وهكذا تُبنى القامات المهنية الحقيقية


أ. قرشي مصطفى عبد الله محمد

رجل في سيرته أكثر من مسمى وظيفي

وفي تجربته أكثر من منصب

وفي حضوره المهني ما يجعل الحديث عنه حديثاً عن الدقة حين تصبح عادة، والنظام حين يصبح أسلوب عمل، والأمانة حين تصبح أساساً للتعامل، والحرص حين يصبح مسؤولية، والرقي حين يظهر في طريقة الإنسان مع الناس

وهذه بالضبط هي النماذج التي تستحق أن تُروى سيرتها

لأن الأجيال لا تحتاج فقط إلى أن تعرف من وصل

بل تحتاج أن تعرف كيف وصل


وفي سيرة قرشي مصطفى إجابة واضحة


بالخطوة الثابتة

وبالمعرفة

وبالانضباط

وبالأمانة

وباحترام المهنة والناس


وسيرة اليوم ليست عن منصبٍ مرّ

بل عن طريقٍ طويلٍ يستحق أن يُحفظ.