زين العابدين الطيب عثمان...يكتب..
30 يوليو 2005 – 30 يوليو 2026
د/ جون قرنق دي كالبور شريك السلام وصوت السودان الجديد
في مثل هذا اليوم الحزين من تاريخ السودان رحل عن عالمنا الدكتور جون قرنق دي مابيور إثر تحطم طائرته المروحية في حادث مأساوي أدمى قلوب الملايين وأطفأ شمعة من أكثر الشموع إشراقاً في سماء الوطن.
رحل الرجل الذي حمل حلماً كبيراً أطلق عليه السودان الجديد
السودان الذي يتسع لكل أبنائه
السودان الذي تكون فيه المواطنة أساس الحقوق والواجبات لا امتيازاً لفئة دون أخرى
والسودان الذي لا تكون فيه السلطة حكراً على جهة أو إقليم أو لون أو ثقافة.
كان دكتور جون أكثر من قائد سياسي وعسكري
فقد كان صاحب رؤية فكرية ومشروع وطني سعى من خلاله إلى إعادة تعريف مفهوم الدولة على أساس العدالة والمساواة والاعتراف بالتنوع السوداني.
دخل التاريخ باعتباره أحد أبرز رموز اتفاقية السلام السودانية الشاملة (اتفاقية الميرغني – قرنق) التي مهدت الطريق أمام السودانيين بعد عقود طويلة من الحرب والمعاناة.
كما كان أحد أهم قادة اتفاقية السلام الشامل التي أنهت أطول فصول الصراع المسلح في البلاد وفتحت نافذة للأمل أمام بناء وطن جديد.
كان شريك سلام آمن بأن الحوار يمكن أن يحقق ما تعجز عنه البنادق
وأن بناء الدولة لا يكون بالإقصاء أو الهيمنة بل بالمشاركة والاحترام المتبادل.
كان الدكتور جون قرنق مقدراً لكل جديد مفيد
منفتحاً على العلم والمعرفة والتطور
يحمل في خطابه روح المستقبل ولا يعيش أسير الماضي
ويرى أن قوة السودان الحقيقية تكمن في تنوعه وتعدد مكوناته لا في محاولات إلغاء الآخر أو صهره.
لقد اختلف معه كثيرون في مواقفه السياسية
واتفق معه آخرون في رؤيته ومشروعه
لكن الجميع يتفق على أن رحيله المبكر ترك فراغاً كبيراً في الحياة السياسية السودانية، فقد كان شخصية ذات حضور استثنائي ومشروع يتجاوز حدود الجغرافيا والانتماءات الضيقة.
كان دكتور جون إنساناً قريباً من الناس، ودوداً دائم الابتسامة، حريصاً على استقبال الآخرين بحرارة واحترام، وهي صفات جعلت له مكانة خاصة في قلوب الكثيرين ممن عرفوه والتقوا به
في ذكرى رحيله نستعيد سيرته لا باعتبارها صفحة من الماضي فقط، بل باعتبارها سؤالاً مفتوحاً أمام الأجيال القادمة:
أي سودان نريد؟
وهل نستطيع أن نبني وطناً يسع الجميع كما حلم الذين دفعوا حياتهم ثمناً من أجل السلام والعدالة؟
رحم الله الدكتور جون قرنق دي مابيور
ورحم الله شريك السلام وصاحب رؤية السودان الجديد
ورحم كل الذين فقدوا أرواحهم في طريق البحث عن وطن تسوده الحرية والكرامة والعدالة.
سيبقى اسمه جزءاً من ذاكرة السودان
ويبقى حلم السلام والوحدة والعدالة مسؤولية لا تسقط برحيل الرجال.
المجد للذين رحلوا وهم يحملون أحلام أوطانهم.