معاوية الجاك...يكتب..

الجنجويدي أسامة داؤود


حرّكت زيارة رجل الأعمال الشهير أسامة داؤود، رئيس مجموعة دال للبلاد، الساكن في الشارع السوداني، وأثارت جدلاً كثيفاً في الأوساط الإعلامية والمجالس السياسية، وذهب المنتقدون إلى ربط الزيارة بعلاقات الرجل بدولة الإمارات والجنجويد، وقطع البعض بوجود دورٍ له في الحرب الدائرة، وطالبوا الحكومة بعدم منحه فرصة لمواصلة مشواره التجاري.

بعيداً عن الضجيج السياسي، هناك حقيقة ثابتة راسخة يؤكدها الواقع، وهي أن أسامة داؤود يعتبر واحداً من أنجح رجال الأعمال في أفريقيا، إن لم يكن في العالم، وهذا الحديث يدعمه الواقع، فما بنته مجموعة دال من مؤسسات ومشروعات ضخمة شاهد على ذلك،

ومن هنا نستغرب محاولة اختزال الرجل في علاقاته السياسية أو الخارجية، أو جعل ارتباطه بدولة الإمارات وحده معياراً للحكم عليه، فإذا كان مجرد الارتباط بأحد أطراف الحرب يمثل سُبةً ومذمة، فالأولى أن تُطبَّق القاعدة نفسها على الجميع، فكيف ننتقد عودة أسامة داؤود، ونغض الطرف عن النور القبة والسافنا وإبراهيم بقال، وهم بالأمس القريب كانوا شركاء وشهوداً على استباحة اعراض الحرائر ونهب المواطنين وقتلهم وَترويعهم وتشريدهم وسرقة مدخرات عمرهم.

إذا كان التعامل مع أي طرف مرتبط بالحرب سبباً كافياً للإدانة.

فالنور القبة استقبله رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان بالاحضان الدافئة والضحكات بمدينة دنقلا قبل أن يصل الخرطوم.

أما علي رزق الله السافنا فقد رفض وبطريقة غريبة عبر قناة الجزيرة، الإعتذار للشعب السوداني مقابل ما اقترفت يداه من جُرمٍ بحق الشعب، وقال إنه لم يحارب هذا الشعب، بل حارب الجيش، وهذا حديث يدعو للرثاء ويكشف محدودية الفهم، فهذا التبرير لا يصمد أمام الواقع، لأن الحرب حين تندلع لا تفرّق بين حكومة ومواطن، والضحايا في نهاية المطاف هم السودانيون.

اما ابراهيم بقال، فقد ظل يتجول بصورةٍ مستفزة للمواطنين، بعد كل ما فعله، ويكفي وصفه المستمر لسعادة الفريق أول ركن ياسر العطا رئيس هيئة الأركان ب(ياسر كأسات)، والجميع يعلم ما يرمي إليه بهذا الوصف السخيف والقبيح، والذي فيه عدم تقدير واحترام ولا يليق بالرجل الثاني في الدولة.

والخلاصة، إن كان معيار الإدانة هو الارتباط بأحد أطراف الحرب، فالأولى أن يكون النقد شاملاً وعادلاً، لا أن يُوجَّه إلى رجل أعمال ناجح، بينما تُغضّ الطرف عن شخصيات سياسية وعسكرية كانت طرفاً مباشراً في المشهد.

لذلك، فإن الشخصيات التي ارتبطت بالحرب وممارساتها هي الأجدر بالنقد والمساءلة، وليس أسامة داؤود، الرجل الذي ظل نشاطه الأساسي قائماً على الإنتاج والاستثمار وبناء المؤسسات وتوفير فرص العمل.

نحن لا نقول إن أسامة داؤود فوق النقد، ولا نطالب بمنحه حصانة مطلقة، ولا نرى أن نجاحه الاقتصادي يجعله فوق القانون، يل نطالب بأن يخضع مثله مثل أي رجل أعمال للقوانين واللوائح والرقابة والمحاسبة، وأن تكون المنافسة التجارية قائمة على الشفافية وتكافؤ الفرص بين الجميع.

لا نريد أن يتحول النقد الاقتصادي إلى تصفية حسابات سياسية، أو عندما يصبح ارتباط رجل أعمال بدولة معينة سبباً لمنعه من ممارسة نشاطه، في حين تُترك الساحة مفتوحة لآخرين وفقاً لمعايير مختلفة.

الحكومة مطالبة بأن تفتح السوق السوداني أمام الجميع، وأن تضع قواعد واضحة وشفافة تنطبق على كل رجال الأعمال والشركات دون استثناء وتمييز.

فلا ينبغي أن تُغلَق الأبواب أمام هذا أو ذاك بسبب علاقاته الخارجية، ما دام ملتزماً بالقانون، كما لا ينبغي أن تُمنح امتيازات خاصة لأحد، وبعدها فليتنافسون المتنافسون في السوق، وليكن المعيار هو الكفاءة والإنتاج وجودة الخدمة ومصلحة المواطن.

السوق هو الحكم، والقانون هو الفيصل، والمواطن هو المستفيد النهائي.

أما تحويل كل رجل أعمال ناجح إلى متهم لمجرد علاقاته الإقليمية والدولية، فذلك لن يبني اقتصاداً، ولن يعالج آثار الحرب، ولن يخدم السودان، فدولة الإمارات التي يشير البعض إلى علاقة أسامة بها، لها إرتباطات كثيرة بمفاصل الإقتصاد السوداني، ويكفي دليلاً أنها المستورد الأول لذهب السودان.

البلاد اليوم تحتاج إلى كل رأس مال قادر على الإنتاج، وكل مؤسسة تستطيع خلق فرص العمل، وكل مستثمر يستطيع أن يضيف قيمة للاقتصاد.

وفي النهاية، ليَبقَ في الساحة الأقوى والأكثر كفاءة والأقدر على خدمة المواطن.