كتب: هاشم السر.
نفّذ جهاز حماية الأراضي، صباح امس الخميس، حملة لإنذار بالإزالة في منطقة سوبا الشقيلة، التي يقطنها آلاف المواطنين والأسر منذ عشرات السنين، الأمر الذي أثار حالة واسعة من الذهول والغضب وسط السكان، لا سيما أن الإنذار منحهم مهلة لا تتجاوز 72 ساعة لإخلاء منازلهم.
وأوضح أفراد القوة التي نفذت الحملة أن الخطوة تأتي في إطار خطة لتنظيم وتأهيل المناطق المصنفة باعتبارها «غير مخططة» بمحلية شرق النيل.
واستخدمت القوة آليات ومعدات لتنفيذ أعمال الحصر والرسم والتخطيط وتحديد المواقع المستهدفة بالإزالة، وشملت، بحسب ما تم إبلاغ المواطنين به، مربع (2) بالشقيقة بالكامل، والبالغ عدد القطع فيه نحو 3,800 قطعة سكنية، شُيّدت الغالبية العظمى منها.
وحددت القوة مهلة قدرها 72 ساعة كحد أقصى لتنفيذ أمر الإزالة الصادر باسم وزارة التخطيط العمراني وجهاز حماية الأراضي، الأمر الذي دفع المئات من المواطنين، بينهم رجال ونساء وأطفال، إلى التجمع حول آليات الإنذار، وسط حالة من الخوف والذهول، وهم يحملون مستنداتهم وملفاتهم، ولا يعرفون إلى أين سيذهبون بأسرهم في حال تنفيذ القرار وانقضاء المهلة المحددة.
وسادت حالة من الغضب والاستنكار وسط الأهالي، الذين وصفوا الخطوة بأنها «صادمة وغير إنسانية»، خصوصاً في ظل الظروف الاقتصادية والمعيشية بالغة الصعوبة التي يعيشها المواطنون جراء الحرب، وما ترتب عليها من فقدان للممتلكات والمنازل ومصادر الدخل.
المحلية: لم نكن على علم بالقرار
وتوجه عدد من الأهالي إلى محلية شرق النيل، حيث التقوا المدير التنفيذي للمحلية، الأستاذ مرتضى بانقا، الذي أكد، بحسب إفادة المواطنين، أن المحلية لم تكن على علم بما تم من إجراءات إنذار بالإزالة في المنطقة.
وفي المقابل، أكد مدير جهاز حماية الأراضي بمحلية شرق النيل، المهندس الناجي العمدة، أن الجهاز بالمحلية لم يصدر إنذاراً بالإزالة لأي موقع داخل سوبا، مشيراً إلى أنه لم تكن لديه معلومات عن الجهة التي قامت بتنفيذ الإنذار.
وتثير هذه الإفادات تساؤلات مشروعة حول الجهة التي أصدرت ونفذت قرار الإنذار، والمرجعية الإدارية والقانونية التي استندت إليها، خاصة في ظل اختلاف الإفادات بين الجهات المحلية المختصة.
أسئلة مشروعة قبل الإزالة
يأتي هذا الإنذار في وقت يكابد فيه المواطنون من أجل توفير لقمة العيش ومصاريف الدراسة وإعادة ترتيب منازلهم التي تعرضت للسرقة والتخريب، بعد أن أفقدتهم الحرب كثيراً مما يملكون.
ومن هنا، نتوجه بعدد من الأسئلة إلى جهاز حماية الأراضي والجهات المختصة:
هل أُجريت دراسة متكاملة للمنطقة المستهدفة بالإزالة قبل إصدار الإنذار؟
وهل جرى الجلوس مع السكان والاستماع إلى إفاداتهم لمعرفة طبيعة حيازتهم للأراضي، وكيف حصلوا عليها، ومتى بدأت عمليات البناء والتعمير فيها؟
وهل تمت مراجعة المستندات التي يحملها السكان، ومعرفة المدة التي ظلوا خلالها يقيمون في المنطقة؟
إن مثل هذه الأسئلة تحتاج إلى جلسة موسعة تجمع أصحاب المصلحة والجهات الرسمية بمحلية شرق النيل، للوصول إلى صورة واضحة حول ملابسات المنطقة ووضعها القانوني والتخطيطي، قبل اتخاذ قرار بهذه الخطورة.
72 ساعة لا تكفي لإخلاء أسر
كيف يمكن لمواطن يعيش أصلاً ظروفاً اقتصادية وأسرية بالغة التعقيد أن يجد نفسه مطالباً بمغادرة منزله خلال 72 ساعة فقط؟
وكيف سيكون مصير الأسر والأطفال وكبار السن في حال تنفيذ الإزالة؟
الأمر لا يتعلق بجدران من الطوب أو قطع من الأرض فحسب، وإنما بمنازل أنفق أصحابها مدخراتهم وأموالهم لبنائها، بحثاً عن الاستقرار والعيش الكريم، بعيداً عن أعباء الإيجار وذل الحاجة إلى السكن لدى الآخرين.
والأهم من ذلك أن كثيراً من هؤلاء المواطنين عادوا إلى المنطقة بعد سنوات الحرب، استجابة لدعوات الدولة إلى العودة الطوعية إلى ولاية الخرطوم، وهم يأملون في استعادة حياتهم والمساهمة في إعادة إعمار مناطقهم.
لكن المفارقة أن المواطن الذي عاد طوعاً إلى وطنه، يجد نفسه اليوم مهدداً بالخروج قسراً من منزله، وبأن يصبح، خلال 72 ساعة، بلا مأوى.
مناشدة إلى والي الخرطوم
السيد والي ولاية الخرطوم، الأستاذ أحمد عثمان حمزة،
إن أهالي سوبا الشقيلة لم ينتظروا حافلات العودة الطوعية حتى يعودوا إلى وطنهم، وإنما عادوا بإرادتهم، وبروح من التماسك والتعاضد، إيماناً منهم بضرورة الوقوف إلى جانب وطنهم وقواتهم المسلحة وهي تخوض معركة الدفاع عن البلاد.
عادوا من أجل البناء والإعمار، ولم ينتظروا الدولة في كل احتياجاتهم، بل اعتمدوا على جهودهم الذاتية في معالجة عدد من المشكلات الخدمية، من بينها توفير المياه عبر استخدام الطاقة الشمسية للآبار، وإنشاء المراكز الصحية، وتنظيم التكايا، والمساهمة في حماية الطرق والممتلكات من خلال الاستنفار والمشاركة المجتمعية.
فقد اختار هؤلاء المواطنون أن يكونوا جزءاً من عملية إعادة الحياة إلى مناطقهم، رغم الظروف القاسية التي فرضتها الحرب.
وبالرغم من ذلك، فوجئوا بإنذار بالإزالة يمنحهم 72 ساعة فقط لمغادرة منازلهم.
السيد الوالي،
إن سكان سوبا الشقيلة يقيمون في هذه المنطقة منذ عشرات السنين، وقد أصبح لهم فيها تاريخ وذكريات ومنازل وأسر ومصالح اجتماعية ومعيشية. ولذلك سيكون من الصعب، إنسانياً واجتماعياً، أن يروا منازلهم تُهدم أمام أعينهم دون أن تُتاح لهم فرصة الاستماع إليهم والنظر في أوضاعهم ومستنداتهم ودفوعاتهم.
وعليه، نناشدكم التدخل العاجل لإيقاف إجراءات الإزالة إلى حين مراجعة القرار من الجهات المختصة، وإعادة النظر في الأمر بصورة تراعي البعد الإنساني والاجتماعي والقانوني، وتضع في الاعتبار الظروف الاستثنائية التي يمر بها المواطن السوداني في هذه المرحلة.
ونؤكد أن أهالي المنطقة لا يطالبون بأن يكونوا فوق القانون، ولا يرفضون سلطة الدولة أو حقها في تنظيم الأراضي والتخطيط العمراني، وإنما يطالبون فقط بأن تُسمع دفوعاتهم، وأن تُراجع أوضاعهم ومستنداتهم، وأن يتم الوصول إلى معالجة تحفظ هيبة الدولة وسيادة القانون، وفي الوقت ذاته تصون حق المواطن وكرامته واستقراره الأسري.
إن اتخاذ قرار بالإزالة خلال 72 ساعة، في ظل هذه الظروف، قد يفتح باباً لأزمة إنسانية واجتماعية لا حاجة للبلاد إليها، بينما يمكن بالحوار والجلوس إلى أصحاب المصلحة الوصول إلى معالجة تحقق المصلحة العامة وتحفظ حقوق الجميع.
هاشم السر
كاتب صحفي
من سكان سوبا الشقيلة المتضررين من قرار الإزالة