محمد... بابكر يكتب ...

​في لحظة فارقة من تاريخ السودان الحديث تتجلى فيها أسمى معاني المسؤولية الوطنية والالتحام الميداني يجيء اللقاء الهام والمحوري الذي جمع بين الشيخ موسى هلال رئيس مجلس الصحوة الثوري والأستاذ بابكر حمدين وزير الصحة بحكومة إقليم دارفور والمستشار السياسي لرئيس حركة العدل والمساواة. وهو اجتماع مفصلي لم يأتِ من فراغ بل نبع من إدراك عميق لطبيعة المرحلة التي تعيشها البلاد ليكون هذا اللقاء محطة استراتيجية تترجم التوافق السياسي إلى سند حقيقي لجهود الأبطال المرابطين في ميدان الكرامة وتثبيتا صريحا لدعائم الدولة السودانية الواحدة وتأكيدا على تلاحم القوى الوطنية الحية وتكامل أدوارها الميدانية والسياسية لحماية السيادة الوطنية ومؤسساتها الدستورية والتاريخية من كل محاولات التفكيك والانقسام والارتهان للخارج.

​تكتسب هذه الخطوة أهميتها الاستثنائية من توقيتها النافذ وظرفها المعقد إذ تداعت لها إرادات وطنية لها وزنها الاجتماعي والعسكري والميداني الثقيل في إقليم دارفور وعلى مستوى الوطن الكبير.

لقد أدركت هذه القيادات بحسها القومي الدقيق أن المعركة الراهنة لا تحتمل الرمادية أو الوقوف على منصات الحياد السلبي بل تتطلب موقفا حاسما ينحاز إلى حق الشعب السوداني في الحياة الكريمة وإلى مؤسساته الشرعية الراسخة.

ومن هنا فإن التنسيق والتشاور بين حركة العدل والمساواة ومجلس الصحوة الثوري يمثل حجر الزاوية في بناء جبهة عريضة متماسكة تتصدى للمخاطر التي تستهدف النسيج الاجتماعي والوجود الكياني لدارفور وللسودان قاطبة معيدة ترتيب الأولويات الوطنية نحو هدف أسمى يتمثل في استعادة عافية الدولة.

​تتفتح أبعاد هذا التحرك الاستراتيجي عبر اتجاهات متوازية ترسم خارطة طريق للمرحلة المقبلة وفي مقدمتها الإسناد الميداني وتكامل الأدوار مع القوات المسلحة السودانية والقوات المشتركة وكافة القوات المساندة في معركة الكرامة. وقد جاءت تهنئة الجيش بمناسبة عيده الوطني للتأكيد على رمزية هذه المؤسسة الراسخة باعتبارها صمام أمان البلاد والدرع الواقي لسيادتها حيث يعيد هذا الالتحام الميداني ترتيب معادلات القوة في دارفور ويقطع الطريق أمام أي مراهنات خبيثة كانت تسعى لإيجاد شرخ بين المكونات الاجتماعية والعشائرية وبين المؤسسة العسكرية الرسمية.

​وعلى الصعيد الأخلاقي والقانوني أرسل الاجتماع رسالة واضحة لا لبس فيها بشأن الانتهاكات والجرائم النكراء المرتكبة بحق المدنيين العزل والأبرياء مؤكدا أنها جرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم ولن تمحوها المساومات السياسية.

إن المحاسبة القانونية لجميع المشاركين والمتعاونين والمحرّضين هي شرط أساسي لتحقيق السلام الاجتماعي المستدام واستعادة حقوق الضحايا وأي محاولة للتنصل من هذا الالتزام لن تؤدي إلا إلى تجذير الأزمة وإفلات المجرمين من العقاب.

​وإدراكا للمخططات التي تسعى للعبث بالبنية المجتمعية وإثارة النعرات القبلية والفرز الجهوية.


وشدد الطرفان على ضرورة مواجهة خطاب الكراهية بكل حزم، انطلاقا من أن تماسك الصف الوطني يبدأ من حماية المجتمعات المحلية ورأب الصدع الاجتماعي الذي حاولت الأجندات التدميرية اتخاذه ثغرة لنفاذ مشروعها لتفتيت البلاد. كما اعتبر الطرفان أن الحلول الناجعة والأبديّة للأزمة يجب أن تنبع من الإرادة الوطنية الحرة والعمق الداخلي بعيدا عن التدخلات الإقليمية والدولية وأجندات الوصاية مؤكدين أن إطلاق حوار (سوداني - سوداني) خالص داخل الوطن يضم كافة القوى الوطنية هو الطريق الوحيد لتأسيس عقد اجتماعي وسياسي جديد يضمن استقرار البلاد وينقذها من دوامة الصراعات المصنوعة في أروقة المحاور الخارجية.


​إن توافق الشيخ موسى هلال التام مع هذه المقترحات المبدئية والتزامه المباشر باستمرار التنسيق والعمل المشترك يمثل تحولا جادا ومفصليا في مسار الأحداث بالإقليم ويعكس إدراكا عميقا بأن المصلحة الوطنية العليا تعلو فوق كل الرؤى الضيقة والأجندات الفردية.

هذا التوافق الميداني والسياسي يضع أسسا عملية وشعبية لعزل المليشيا المتمردة وتجريدها من أي غطاء اجتماعي أو سياسي كانت تحاول التخفي خلفه لشرعنة وجودها كما يرسل رسالة طمأنة بالغة الأهمية للشارع السوداني بأن القيادات الوطنية باتت تمسك بزمام المبادرة وتعمل في تناغم تام لحماية الأرض والعرض.


​لم يكن هذا اللقاء مجرد استجابة لضرورة مرحلية أو ترفا سياسيا بل كان تجسيدا حيا لوعي وطني متجذر يتسامى فوق جراح الماضي وأوهام التباين.

لقد وضعت قيادة حركة العدل والمساواة ومجلس الصحوة الثوري اللبنة الأولى في جدار الصف الوطني المنيع مجسدين إرادة صلبة ترسم بداية النهاية لمشروع التفكيك وتؤكد بوضوح لا يكتنفه غموض أن إرادة الشعوب حين تتصل بمؤسساتها الوطنية كفيلة بعزل مليشيا الدعم السريع وقطع الطريق أمام كل محاولات ارتهان السيادة.

إنها الخطوة الأولى في مسيرة الألف ميل نحو سودان موحد قوي بمؤسساته وعصي على الانكسار.