طلعت دفع الله عبد الماجد...يكتب..
الصورة لا تكفي للحكم، والتصديق لا يكفي وحده لإثبات الاستدامة. فالفيصل هو الموقع، والخطة، والكمية، وطريقة التنفيذ، وما يحدث للغابة بعد القطع.
حماية غابات السودان واجب وطني. والخطر الذي يهددها حقيقي ومتراكم. تشير تقديرات منظمة الأغذية والزراعة إلى تراجع واسع في الغابات والأراضي الشجرية بالسودان خلال العقود الماضية.
ولم يبدأ هذا التدهور مع الحرب. لكنه تفاقم بصورة خطيرة منذ اندلاعها في 15 أبريل 2023. فقد أضعفت الحرب الرقابة الميدانية، وعطلت الكهرباء وغاز الطهي، ووسعت دوائر الفقر والنزوح.
واضطرت أسر كثيرة إلى استخدام الحطب والفحم للطهي، أو إنتاجهما لتوفير الدخل. وأظهرت تحليلات للصور الفضائية فقدان مساحات من الغطاء النباتي الطبيعي في ولاية الجزيرة خلال الحرب. كما وثق برنامج الأمم المتحدة للبيئة ومنظمات دولية ومحلية وناشطين ازالة غابة السنط بالخرطوم، وغابات اخري بسبب الحرب وضعف الحماية والبحث عن الوقود والدخل.
هذه الوقائع تستوجب القلق والتحرك. لكنها لا تعني أن كل شاحنة حطب تمثل جريمة. فالصورة لا تبين موقع القطع، ولا مصدر الحمولة، ولا تاريخها، ولا التصديق الذي صدرت بموجبه. وقد يكون القطع داخل الغابات الإنتاجية عملاً فنياً مشروعاً. لكنه لا يصبح مستداماً لمجرد وجود تصريح.
تبدأ الإدارة المستدامة بحصر الغابة وقياس مخزونها من الأشجار، وأعمارها، وحالتها الصحية، ومعدلات نموها وتجددها. وبناءً على هذه المعلومات، توضع خطة إدارة معتمدة (Management Plan) تحدد ما يجب حمايته، وما يحتاج إلى معالجة، وما يمكن إنتاجه دون استنزاف الغابة.
وتُقسم الغابة إلى مرابيع أو قطاعات معلومة. ويخصص لكل مربع برنامج زمني واضح للتربية، والحماية والقطع والتجديد. ثم تُحسب المساحة أو الكمية التي يجوز قطعها خلال العام. وهذا ما يعرف بالقطع السنوي المسموح به (Annual Allowable Cut).
ولا يُحدد هذا القطع بالرغبة في زيادة الإيرادات، بل بمخزون الغابة، ومعدل نموها، وقدرتها على تعويض الأشجار المقطوعة. وقد تشمل الخطة إزالة الأشجار الناضجة أو الضعيفة، أو تخفيف الكثافة حتى تحصل الأشجار الجيدة على الضوء والماء والمساحة الكافية للنمو.
وفي بعض المربعات التي بلغت نهاية دورتها، قد ينفذ قطع إنتاجي وتجديدي (Regeneration Felling)، يعقبه تجدد طبيعي أو إعادة زراعة. والهدف ليس إخلاء الأرض من الأشجار، بل إنتاج الحطب أو الأخشاب مع إنشاء جيل جديد من الغابة.
وتخضع العملية لبروتوكول فني يحدد الأشجار المستهدفة، وحدود المربوع، وموسم القطع، والكمية المسموح بها. كما يراعي حماية التربة والبادرات والغطاء النباتي، والإبقاء على الأشجار الأم أو مصادر البذور حين تتطلب الخطة ذلك.
ولا تنتهي مسؤولية الإدارة عند خروج الشاحنة. بل يجب متابعة الموقع للتأكد من نجاح التجدد، وإعادة التشجير عند الحاجة، وحماية النمو الجديد من الحرائق والرعي والتعديات.
ومن مقتضيات الإدارة السليمة أن يسهم جزء من عائد الإنتاج في أعمال الحماية، والصيانة، والحصر، والتجديد.
إذا نُفذت هذه المراحل كما ينبغي، يصبح القطع وسيلة لإدامة الغابة والاستفادة منها، لا سبباً في اختفائها. ولغابات السنط في سنار والجزيرة تاريخ طويل من الإدارة بنظام المرابيع ودورات القطع والتجديد، تحت إشراف الهيئة القومية للغابات (FNC) وإدارات الغابات بالولايات.
لذلك قد تكون الشاحنات الخارجة من هذه الغابات جزءاً من إنتاج مقرر في خطة سنوية معتمدة، وليست بالضرورة ناتجة عن نهب أو قطع عشوائي. لكن هذا التصريح لا يمنح أي جهة حصانة من المراجعة. ولا يعفيها من إثبات سلامة التصديق والتنفيذ والتجدد اللاحق.
كما أن منتجات الغابات لا تأتي كلها من الغابات العامة المحجوزة. فقد تصدر تصاديق للقطع في الحيازات الخاصة أو الأهلية، والغابات الخاصة، أو لتنفيذ أعمال نظافة وإزالة أشجار تعيق الانتفاع المشروع بالأرض.
وتكون هذه الأعمال قانونية متى تمت داخل حدود التصديق، وبالكمية والطريقة اللتين تحددهما الجهات المختصة.
وبموجب قانون الغابات والموارد الطبيعية المتجددة لسنة 2002، تنظم المادة 38 نقل منتجات الغابات، وتشترط تصريحاً يبين النوع والكمية، والمنشأ، والوجهة والتاريخ. أما المادة 40 فتتناول قطع الأشجار في أراضي الدولة خارج المناطق المحجوزة، بينما تخضع الغابات المحجوزة لأحكام الحماية وخطط الإدارة والإشراف الفني.
ومن هنا تصبح الإحداثيات والوثائق هي الفيصل. فالبلاغ المهني يجب أن يذكر الموقع الدقيق، وتاريخ التصوير، وأقرب غابة أو قرية، ورقم المركبة ومسارها.
ثم تُراجع جهة الاختصاص رقم التصديق، ومصدر الحمولة، ورقم المربع، ومساحته، والكمية المسموح بها في خطة العام. وفي الموقع تُفحص حدود القطع، وعلاماته، والأشجار المتروكة، وحالة التربة، ومدى الالتزام بالتعليمات الفنية.
ويجب كذلك فحص الموقع بعد فترة مناسبة لمعرفة ما إذا بدأ التجدد الطبيعي، أو نُفذ برنامج إعادة الزراعة والحماية. فإذا تطابقت الحمولة مع الموقع والتصديق والخطة والكمية وطريقة التنفيذ، كان النشاط قانونياً ومنظماً من حيث الأصل.
أما إذا تم القطع خارج المربو ع، أو دون تصريح، أو تجاوز الكمية، أو أُهمل التجدد، فهناك مخالفة تستوجب التحقيق والمساءلة. ولا ينبغي أن ينقسم الناس بين من يبرئ كل شاحنة، ومن يدين كل شاحنة.
المطلوب نشاط بيئي شجاع، لكنه دقيق وعادل. والمطلوب أيضاً جهاز غابات شفاف، ينشر المعلومات ويتيح فحص التصاديق وخطط الإنتاج. فالغابات لا تحميها الشعارات وحدها. ولا تحميها تصاديق مغلقة لا يعرف الجمهور كيف نُفذت.
تحميها خطة علمية، ورقابة ميدانية، ومعلومات قابلة للتحقق، وقانون يطبق على الجميع. ولا نريد أن تتحول حماية الغابات إلى محكمة صور، ولا أن تتحول التصاديق إلى حصانة تمنع السؤال والمراجعة.
الصورة تبدأ السؤال، لكنها لا تنهي التحقيق. والحقيقة تثبتها الإحداثيات والوثائق والفحص الميداني ومتابعة التجدد. وبذلك نحمي الغابة من المعتدي، ونحمي المهني من الاتهام بغير بينة، ونحمي الجمهور من التضليل.