م.صلاح غريبة - مصر
تعداد 2030: بوصلة التعافي والنهضة لسودان المستقبل
في مسيرة الأمم نحو النهوض من كبوات النزاعات المدمرة، لا تقتصر إعادة البناء على ترميم الجدران وتعبيد الطرقات فحسب، بل تبدأ حتماً من ترميم الذاكرة المعلوماتية وتأسيس قاعدة بيانات وطنية صلبة تعكس الواقع الجديد بكل تعقيداته. لا يمكن لأمة، مهما بلغت طموحاتها، أن تبني مستقبلاً مستداماً في ظل العتمة الإحصائية، ولا لسياسة تنموية أن تؤتي أكلها وهي ترتكز على أرقام مجهولة أو تجاوزها الزمن. إن الحروب والأزمات العميقة لا تعيد صياغة المشهد السياسي والجغرافي فحسب، بل تحدث زلزالاً ديموغرافياً واجتماعياً يقلب كافة الموازين والمؤشرات السابقة رأساً على عقب. وفي المشهد السوداني الراهن، الذي يقف على أعتاب مرحلة انتقالية حاسمة يسعى فيها نحو التعافي الشامل واستعادة الركائز الأساسية لبناء الدولة الحديثة، تجد "حكومة الأمل" نفسها أمام استحقاق ومسؤولية تاريخية لا تقبل التأجيل؛ وهي جعل الاستثمار في إنتاج المعلومة الإحصائية الدقيقة والموثوقة واجباً وطنياً مقدساً. ومن هذا المنطلق الاستراتيجي، يبرز التعداد العام للسكان والإسكان والمنشآت، المقترح مني شخصيا بأن يتم إنجازه بحلول عام 2030، ليس كأداة بحثية روتينية، بل كهدف قومي أسمى وبوصلة استراتيجية لا غنى عنها لرسم ملامح النهضة الوطنية وإرساء دعائم العدالة التنموية الشاملة.
لم يكن السودان يوماً بعيداً عن إدراك أهمية الإحصاء في توجيه دفة الدولة، فقد عرفت البلاد العمل الإحصائي المنهجي منذ منتصف القرن العشرين. شكل التعداد الأول (1955/1956)، الذي أُجري عشية استقلال البلاد، محطة تأسيسية بالغة الأهمية؛ إذ ساهم في حصر الموارد البشرية وتحديد الملامح الأولى للهوية الديموغرافية للدولة الوطنية الناشئة. توالت بعد ذلك الجهود الوطنية من خلال دورات تعداد متعددة، أبرزها في عامي 1973 و1983، والتي سعت لربط النمو السكاني بخطط التنمية الإقليمية آنذاك. وصولاً إلى آخر تعداد شامل جرى إجراؤه في عام 2008، والذي اكتسب أهمية مضاعفة لكونه التعداد الأخير قبل التغير التاريخي في الخارطة الوطنية وانفصال جنوب السودان في عام 2011.
ورغم القيمة التاريخية والسياسية الاستثنائية التي مثلتها نتائج تلك التعدادات، إلا أن المراجعة النقدية لتلك التجارب تكشف أنها ظلت في الغالب محكومة بظروف بيئية وسياسية بالغة التعقيد. فقد تزامنت العديد من تلك الدورات مع فترات من عدم الاستقرار السياسي والنزاعات المسلحة في الأطراف، فضلاً عن التحديات اللوجستية الفائقة المتمثلة في شساعة مساحة البلاد وضعف البنية التحتية والمواصلات في العديد من الأقاليم، مما انعكس أحياناً في تباينات حول دقة التغطية الشاملة لبعض المناطق النائية والمهمشة.
أما عند الانتقال لقراءة الواقع الديموغرافي والعمراني الراهن، نجد أن الحرب الطاحنة التي اندلعت في أبريل 2023 قد وجهت ضربة قاضية ومباشرة للبنية التحتية الإحصائية في البلاد وأحدثت شرخاً عميقاً في المشهد السكاني بأسره. لقد تمخض هذا النزاع العنيف عن واحدة من أكبر وأعقد أزمات النزوح الداخلي واللجوء الخارجي على مستوى العالم في العصر الحديث. وفي خضم هذه المأساة، تحولت مراكز حضرية كانت تنبض بالحياة والكثافة السكانية إلى مدن شبه خالية أو متغيرة المعالم، بينما شهدت الولايات والمناطق الآمنة طوفاناً بشرياً تجاوز بأضعاف مضاعفة طاقتها الاستيعابية من حيث البنية التحتية والخدمات الأساسية.
ولم تقتصر أضرار الحرب على الجانب البشري فحسب، بل امتدت لتشمل تدميراً منهجياً وتضرر آلاف المنشآت الاقتصادية والتجارية والصناعية، والمرفقية. والأخطر من ذلك كله هو فقدان وتلف جانب كبير وهام من السجلات الإدارية ومستندات السجل المدني والخرائط الميدانية في العديد من المدن والمحليات. وبناءً على ذلك، تجد مؤسسات الدولة نفسها اليوم تدير الشأن العام، في مجالات حيوية كالصحة والتعليم وتوزيع الإغاثة وإدارة الموارد، في ظل فراغ إحصائي قاتل؛ حيث لا مفر من الاعتماد على تقديرات افتراضية أو تقارير وإسقاطات إحصائية قديمة لا تمت للواقع المتغير والمتسارع بصلة.
أمام هذا الواقع المعقد، يبرز اقتراح جعل عام 2030 الموعد المستهدف والنهائي لإنجاز التعداد القومي السادس، ليس كخيار عشوائي، بل كقرار استراتيجي يمتلك دلالات وأبعاداً عميقة. أولاً، تتزامن هذه السنة المحورية مع الموعد الختامي لتقييم أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة (SDGs 2030)، مما سيمنح السودان منصة دولية لتقديم تقييم علمي دقيق ومدلل بالأرقام حول مدى تعافيه وقدرته على إعادة الاندماج في المنظومة التنموية العالمية. ثانياً، يوفر المدى الزمني الفاصل عن عام 2030 لـ "حكومة الأمل" النافذة الزمنية الكافية والمطلوبة بشدة لترتيب البيت الداخلي؛ من خلال استكمال مسارات السلام واستعادة الاستقرار الأمني الشامل، وتوفير التمويل، وإعادة تأهيل وتجهيز الجهاز المركزي للإحصاء بأحدث التقنيات، والبدء في استعادة السجلات المدنية وبناء القواعد الرقمية المطلوبة قبل التنفيذ الميداني الشامل.
ثانياً: الحتمية الوطنية للتعداد بعد الحرب كأداة للإنقاذ والتأسيس الجديد
يجب التأكيد بقوة على أن إنجاز التعداد العام للسكان والإسكان والمنشآت في حقبة ما بعد الحروب والنزاعات الشاملة يتجاوز بكثير كونه مجرد إجراء حكوم