م. صلاح غريبة - مصر

Ghariba2013@gmail.com

شريان النيل وأخوة المصير: فلسفة الحفاظ على المياه بين الوعي الديني والمسؤولية الإقليمية

تكتسب الدعوات الدينية والفكرية الداعية إلى صيانة الموارد الطبيعية بُعداً فلسفياً ووجودياً يتجاوز مجرد التوجيه السلوكي اليومي؛ فالماء، بصفته جوهر الحياة وأصل عمارة الأرض، لم يعد مجرد هبة طبيعية نستهلكها دون حساب، بل تحول في ظل التغيرات المناخية والتحولات السياسية إلى ركيزة أساسية للأمن القومي والإنساني.

إن التأكيد المنبري والإعلامي الأخير على أن "الماء حياة ونماء"، واعتبار أن الموارد العامة ليست ملكية خاصة بل حق مشترك، يمثل نقطة انطلاق جوهرية لإعادة تشكيل الوعي الجمعي في حوض النيل، وتحويل سلوكيات الاستهلاك من خانة "العادة" إلى خانة "العبادة" والمسؤولية الأخلاقية المتكاملة.

تقوم الرؤية الإسلامية للموارد العامة على قاعدة متينة مفادها أن الإنسان مستخلف في الأرض لصيانتها لا لإفسادها. وحين يُطرح مفهوم "الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار"، فإن الشريعة تضع حداً فاصلاً بين حق الانتفاع وبين وهم الملكية الفردية مطلقة العنان.

فالمسؤولية الجماعية؛ وتشبيه المجتمع بركاب *سفينة* واحدة - إن خُرق جانب منها هلك الجميع - يجسدان واقع الأمن المائي معاصراً. فإهدار قطرة ماء في طرف البيت أو المزرعة ليس سلوكاً فردياً مجرداً، بل هو سلوك يؤثر بشكل مباشر على نصيب فرد آخر في المجتمع.

وبجانب تجاوز النفعية الضيقة، فإن تحذير النصوص الدينية والتشريعية من السرف حتى على الأنهار الجارية يمثل أعلى درجات الضبط الأخلاقي، حيث يتعلم الفرد أن ترشيد الاستهلاك ليس وليد "الندرة" فحسب، بل هو منهج أصيل يُعبر عن احترام نعمة الوجود.

وإذا انتقلنا بالتحليل إلى الداخل السوداني، نجد أن مفهوم "الماء حياة ونماء" يتجسد في أبشع صور الاختبار الميداني؛ فقد أدت الحرب الضروس والمواجهات المسلحة المستمرة إلى تدمير واسع النطاق للبنية التحتية، وشلّت محطات الضخ وشبكات التوزيع في العديد من الولايات والمدن الرئيسية.

* *ففي محور البنية التحتية:* تتمثل طبيعة الأزمة في تدمير محطات المياه وخروج الشبكات عن الخدمة بسبب القصف والقتال، ويتمثل الانعكاس الأخلاقي *والسلوكي* في تفعيل المبادرات المجتمعية لتكافل السقيا وحماية ما تبقى من آبار وموارد.

* *وفي محور التلوث:* تتمثل طبيعة الأزمة في الاختلاط الخطير بين مياه الصرف الصحي والمياه الصالحة للشرب وانقطاع مواد التعقيم، ويتمثل الانعكاس الأخلاقي والسلوكي في تجنب السلوكيات الملوثة للمشاريع المائية الصغرى *والكبرى* لمنع كارثة صحية.

* *وفي محور النزوح الداخلي: كان الضغط الهائل على موارد المياه الشحيحة في الولايات الآمنة، يتطلب الانعكاس الأخلاقي والسلوكي* في الإدارة الرشيدة ومشاركة الإمدادات المائية المتاحة بروح التآخي والمسؤولية.

إن حماية ما تبقى من شبكات وموارد مائية في السودان لم تعد مجرد مسألة تنظيمية، بل أصبحت خط الدفاع الأخير للبقاء على قيد الحياة، مما يتطلب من المجتمع الضغط نحو تحييد المرافق الحيوية ومنع استخدام سلاح العطش والتلوث في الصراعات.

ونتيجة لتداعيات الحرب، استقبلت جمهورية مصر العربية أعداداً كبيرة من أبناء الشعب السوداني الذين اندمجوا في نسيج المجتمع المصري، ليصبحوا جزءاً من النسيج الاستهلاكي للموارد العامة، وفي مقدمتها المياه. وهنا تبرز أهمية تعميق الوعي المائي كجزء من أواصر المصير المشترك بين شعبي وادي النيل.

إن "المحافظة على المياه في دول المصب والممر ليست مجرد تشريعات حكومية، بل هي ثقافة سلوكية تجمع كافة المقيمين على أرض واحدة يربطها شريان مائي واحد". فيحتم واقع العيش المشترك أن يكون الوافد، شأنه شأن المواطن، على دراية كاملة بالتحديات المائية التي تواجه المنطقة. إن الالتزام بسلوكيات الترشيد داخل المنازل والمنشآت التجارية من قبل الجالية السودانية يسهم بشكل مباشر في استدامة الخدمات ويقلل الضغط على الشبكات المصرية.

وعن إدراك حجم التحدي، فتواجه مصر تحديات مائية تتصل بزيادة السكان ومحدودية حصتها من نهر النيل، ومن ثم فإن كل قطرة ماء تُوفر عبر ممارسات الترشيد اليومية تعد مساهمة فعلية في حماية الأمن القومي والغذائي للمجتمع بكافة مكوناته الأصيلة والوافدة.

كما يتطلب ذلك تعزيز ثقافة الشراكة؛ فإن استشعار الجالية السودانية بأنها ليست مجرد "مستهلك"، بل هي شريك *أصيل* في الحفاظ على هذا الشريان الخالد، يعزز الروابط التاريخية ويدعم ثقافة التعايش السلمي المسؤول.

إن الحفاظ على المياه كنعمة ومورد عام يتطلب تحويل الخطاب التوعوي والديني إلى ممارسات عملية ملموسة، تخاطب الفرد والأسرة والمؤسسة على حد سواء، من خلال عدة محاور:

1. *تبني التقنيات الحديثة: التوسع في استخدام أدوات الترشيد المنزلية والتقنيات الذكية في الري والصناعة لتخفيض الفاقد المائي.

2. *مكافحة السلوكيات الضارة:* الحظر التام لإلقاء المخلفات في مجرى النيل وفروعه وقنواته، واعتبار ذلك انتهاكاً صارخاً لحق الجميع في بيئة نظيفة.

3. *التنشئة الاجتماعية والتعليم:* غرس مفاهيم الاقتصاد في الموارد لدى الأجيال الناشئة، وتضمين المناهج والأنشطة المجتمعية قيم "الأمانة البيئية".

4. *التضامن المائي الإقليمي:* ترسيخ الوعي بأن نهر النيل يمثل وحدة جغرافية وحضارية واحدة، وأن حماية المورد من المنبع إلى المصب مسؤولية تاريخية تتخطى الحدود السياسية.

إن استدامة الحياة والنماء على ضفاف النيل رهينة بمدى قدرتنا على تحويل المبادئ الأخلاقية إلى سلوك يومي منضبط، يستشعر فيه كل إنسان - سواء كان في وطنه أو نازحاً بسببه - أن بقاء السفينة وأمانها متوقفان على يقظة ركابها جميعاً دون استثناء.