بِقَلَمِ: تَوْفِيق البَدْرِي عُكَاشَة ( ابو ليمار )..

ضَحِكْتُ مِلْءَ شِدْقِي.. وَأَحَدُهُمْ يَتَوَعَّدُنِي فِي مُعَامَلَةٍ أَنْجَزْتُهَا لَهُ بِالمِينَاءِ البَرِّيِّ.. وَلَمْ يَفِ ثَمَنَهَا..


وَلَمَّا أَغْلَظْتُ لَهُ فِي القَوْلِ.. وَاسْتَوْفَيْتُ كَامِلَ حَقِّي.. انْتَفَخَ الرَّجُلُ مُغَاضِباً.. وَقَالَ لِي بِلَهْجَةِ الوَاثِقِ المُنْتَصِرِ: "اِعْمَلْ حِسَابَكَ.. أَنَا مِنْ مَايرْنُو.."


تَوَقَّفْتُ بُرْهَةً.. أَنْظُرُ إِلَيْهِ.. ثُمَّ انْفَجَرْتُ ضَاحِكاً.. حَتَّى بَانَ شِدْقِي.. لَيْسَ سُخْرِيَةً مِنْهُ.. وَلَكِنْ شَفَقَةً عَلَى مَايرْنُو..


أَيُّ مَايرْنُو هَذِهِ الَّتِي صَارَتْ تُسْتَخْدَمُ عَصَا تَهْدِيدٍ فِي المِينَاءِ البَرِّيِّ؟ وَأَيُّ سُمْعَةٍ تِلْكَ الَّتِي أَلْصَقْنَاهَا بِمَدِينَةِ القُرْآنِ؟


وَمِنْ هُنَا.. كَانَ لَابُدَّ أَنْ أَكْتُبَ.. إِنْصَافاً لِمَدِينَةٍ افْتَرَيْنَا عَلَيْهَا كَثِيراً..


وَلِلْحَدِيثِ شُجُونٌ..


مَايرْنُو الَّتِي نَعْرِفُهَا فِي كُتُبِ التَّارِيخِ.. لَيْسَتْ هِيَ مَايرْنُو الَّتِي فِي خَيَالِ صَاحِبِنَا..


مَايرْنُو الَّتِي نَعْرِفُهَا.. هِيَ "حِلَّةُ الفَلَاتَةِ" الَّتِي بِجِوَارِ سِنَّارَ.. الَّتِي كَتَبَ عَنْهَا الرَّحَّالَةُ الإِنْجِلِيزُ.. "عَلَيْهَا شَيْخٌ يُلَقِّبُونَهُ بِسُلْطَانٍ.. يُسَمَّى الحَاجَّ طَاهِر"..


هِيَ المَدِينَةُ الَّتِي قَصَدَهَا الفَلَاتَةُ.. حُجَّاجاً مِنْ فُوتَا تُورُو وَفُوتَا جَالُونَ.. حَامِلِينَ مَصَاحِفَهُمْ عَلَى ظُهُورِ إِبِلِهِمْ.. يُرِيدُونَ مَكَّةَ.. فَطَابَ لَهُمُ المُقَامُ فِي أَرْضِ سِنَّارَ الخِصْبَةِ..


هِيَ المَدِينَةُ الَّتِي اسْتَأْذَنَ شُيُوخُهَا مِنَ السُّلْطَانِ.. وَمِنَ العُمْدَةِ عَلِيِّ العُجَيْلِ مِنْ قَبِيلَةِ الحُمْرَانِ.. لِيَعْمُرُوا الأَرْضَ البُورَ.. وَيَزْرَعُوهَا.. وَلِيَكُونُوا حِزَاماً يَحْمِي السُّودَانَ مِنَ التَّوَسُّعِ الإِثْيُوبِيِّ..


قَالَ لَهُمُ العُمْدَةُ يَوْمَهَا: "هَؤُلَاءِ النَّاسُ شُجْعَانٌ وَمُسْتَقِيمُونَ وَأُنَاسٌ مُتَدَيِّنُونَ وَهُمْ مَنْ شَيَّدَ هَذِهِ المِنْطَقَةَ"


تِلْكَ هِيَ مَايرْنُو.. مَدِينَةُ العَمَلِ الحَقِيقِيِّ.. عَمَلُ الزَّرْعِ وَالرَّعْيِ وَبِنَاءِ الخَلَاوِي..


أَمَّا مَايرْنُو الأُخْرَى.. الَّتِي فِي رَأْسِ صَاحِبِ المِينَاءِ البَرِّيِّ.. فَهِيَ مَدِينَةٌ وَهْمِيَّةٌ.. خَلَقْنَاهَا نَحْنُ فِي خَيَالِنَا الشَّعْبِيِّ..


حَوَّلْنَا فِيهَا الفَقِيهَ إِلَى سَاحِرٍ.. وَالرُّقْيَةَ إِلَى حِجَابٍ.. وَالكَرَامَةَ إِلَى عَمَلٍ سُفْلِيٍّ..


وَذَلِكَ لِأَنَّنَا - بِصِدْقٍ - قَوْمٌ كُسَالَى.. نُرِيدُ الرِّزْقَ بِحِجَابٍ.. وَالنَّجَاحَ بِبَخْرَةٍ.. وَالزَّوَاجَ بِتَمِيمَةٍ.. وَلَا نُرِيدُ أَنْ نَقُومَ اللَّيْلَ.. وَنَكِدَّ النَّهَارَ..


فَصَارَ كُلُّ فَاشِلٍ فِينَا يَقُولُ: "مَعْمُولٌ لِي عَمَلٌ مِنْ مَايرْنُو"

وَكُلُّ مَظْلُومٍ يَتَوَهَّمُ: "مَرْبُوطٌ مِنْ مَايرْنُو"


وَمَايرْنُو بَرِيئَةٌ مِنْ هَذَا كُلِّهِ.. بَرَاءَةَ الذِّئْبِ مِنْ دَمِ يُوسُفَ..


قَبْلَ سَنَوَاتٍ.. عَقِبَ إِنْجَازِي لِتَغْطِيَةٍ صَحَفِيَّةٍ لِمُؤْتَمَرِ الوِلَايَاتِ الحُدُودِيَّةِ مَعَ إِثْيُوبِيَا وَإِرِتْرِيَا امْتَدَّ بِنَا لِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بِمَدِينَةِ سِنْجَةَ أَنَا وَكَوْكَبَةٌ مِنَ الزُّمَلَاءِ مُبْتَعَثِينَ مِنَ الخُرْطُومِ.. دَخَلْتُ مَايرْنُو عِنْدَ المَغِيبِ.. فَلَمْ أَجِدْ سَحَرَةً.. وَجَدْتُ أَزِيزَ الخَلَاوِي كَأَزِيزِ النَّحْلِ.. خَمْسُونَ خَلْوَةً.. فِي كُلِّ خَلْوَةٍ أَطْفَالٌ حُفَاةٌ.. يَحْفَظُونَ القُرْآنَ عَلَى ضَوْءِ الفَانُوسِ..


سَأَلْتُ شَيْخاً جَاوَزَ الثَّمَانِينَ.. يَحْفَظُ المُوَطَّأَ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ: "يَا شَيْخُ.. النَّاسُ يَقُولُونَ إِنَّكُمْ أَهْلُ عَمَلٍ؟"


فَابْتَسَمَ.. وَقَالَ: "نَعَمْ.. عِنْدَنَا عَمَلٌ.. عَمَلُ اللَّيْلِ.. قِيَامُ اللَّيْلِ.. وَعَمَلُ النَّهَارِ.. تَعْلِيمُ الصِّبْيَانِ.. فَمَنْ أَرَادَ عَمَلَنَا هَذَا.. فَمَرْحَباً بِهِ.. وَمَنْ أَرَادَ غَيْرَهُ.. فَلْيَذْهَبْ إِلَى السُّوقِ.. فَهُنَاكَ يُبَاعُ الكَذِبُ"


فَيَا صَاحِبِي الَّذِي هَدَّدْتَنِي بِمَايرْنُو..


أَنْتَ لَسْتَ مِنْ مَايرْنُو.. لِأَنَّ أَهْلَ مَايرْنُو لَا يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالبَاطِلِ.. وَلَا يُهَدِّدُونَ خَلْقَ اللهِ.. بَلْ يَعْفُونَ.. وَيَصْفَحُونَ.. وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً..


وَيَا مَايرْنُو.. يَا مَدِينَةَ القُرْآنِ.. اُعْذُرِينَا.. فَقَدِ افْتَرَيْنَا عَلَيْكِ كَثِيراً.. وَسَتَظَلِّينَ مَنَارَةً.. رَغْمَ افْتِرَاءِ المُفْتَرِينَ..