توفيق البدري عكاشة...يكتب...

ما في سوداني ما عندو فوالو الخاص.. سرّو الصغير.. محل اللمة والشلة


الفول عندنا ما أكل.. الفول عندنا عشق وارتباط باكر.. علاقة حب من أول بوش..


السوداني من الصباح بصحى يقول: الليلة نفطر وين؟ وكل واحد عندو محلو البتخيّرو بعناية، كأنو بختار عروس.. لازم الفوال يكون مشهور بـ (حزق تظبيط الفولة).. الفول المطبوخ على نار هادية، ومسبّك، وزيتو يلمع فوقو زي الدهب.


في أم درمان، بلد الحنان.. عندك أساطير:

فوال الهجرة.. ده المرجع.. ده البخاري بتاع الفول.. لو ما اتعشيت عندو يوم الجمعة ما بتحس بالجمعة.

بابا حسين بالعرضة .. ده فوال المزاج الرايق، فول بوشه مدنكل وطعمية سخنة تحلف تقول معمولة بحب.

عمر بوش في شارع الأربعين .. ده فوال الطلبة والموظفين، سريع، نضيف، وبوشو ما بتحتاج ليهو كلام.

النوش في استاد الهلال .. ده فوال ما بعد الكورة.. يفوز الهلال أو يخسر، لازم تمر عليهو تبرد حشاك.


وتعبر الكبري لـ بحري.. تلقى فوال فريد .. ده المدرسة.. فول مصري أصلي، يجيك في صحن اللمونيوم والزيت يشرّ.


وتمشي الحلة الجديدةظ.. تلقى (بوش الحرامي).. أيوا الحرامي عديل.. سموهو كده لأنو فولوا بيسرق قلبك.. تاكل منو مرة، تاني ما بتفوتو.


أما القلب.. قلب السوق العربي .. فهناك الملوك:

أبو العباس و العشرة الكرام.. ديل ما فوال بس.. دا معلم سياحي.. زرت الخرطوم وما فطرت عند أبو العباس؟ كأنك ما جيت الخرطوم.. هناك بتلقى الوزير والغفير، والطالب والدكتور، كلهم قاعدين في بنابر واحدة، قدامهم بوش واحد، وسلطة وجبنة عليها المش..


يا الفوال أنا جيتك.. جيب الملاح وزيد الزيت.. سلطة وجبنة عليها المش..


هكذا كنا نغني ونحن داخلين على الفوال.. الفوال يعرفك من غير ما تتكلم.. عارفك بتحب الملح كتير، والزيت يزيدو ليك، والشطة برا، والبصل أبيض..


ثم جاءت معركة الجنجويد..


تفرقنا.. نزحنا.. تشتتنا.. قفلت المحال.. وبقي الفول ذكرى في الخاطر.. حلمنا بيهو ونحن في المنافي ..


بعد انجلاء معركة الجنجويد عن العاصمة ودحر فلولها من الخرطوم وبحري وأم درمان، أول حاجة فكر فيها السوداني النازح الراجع: (أرجع أفطر في محلي)..


تأهبت محال الفول لعشاقها.. والعشاق مشتاقون يسعون لمعشوق.. والناس رجعت.. ولكن..


المعشوق تمنّع!


الطلب الذي كان بخمسة آلاف جنيه.. صار اليوم بثمانية وعشرة آلاف جنيه!


زيادة وقفت سوق الباعة.. وغلّت أيدي الزبائن..


الفوال ذاتو بقى محرج.. يخت الفول ويقول ليك بصوت واطي: (والله الشوال بقى بـ 180 يا عمك.. نعمل شنو؟).. والزبون يعاين للصحن.. كان بيأكل صحنين.. بقى يأكل صحن واحد.. وكان بيزيد زيت.. بقى يقول (ما تزيد.. خليهو كده).


يا وزارة الزراعة.. يا من أوقفتم استيراد الفول المصري..


أنتو ما أوقفتم سلعة.. أنتو أوقفتم طقس سوداني.. أوقفتم لمة البنابر.. أوقفتم يا الفوال أنا جيتك...


رجعوا لينا فولنا.. رجعوا لينا بوشنا.. رجعوا لينا أبو العباس والعشرة الكرام وفوال الهجرة وبابا حسين..


نحن لا نريد لحمة ولا فراخ.. نريد فقط أن نقولها مرة أخرى من القلب:


يا الفوال أنا جيتك.. جيب الملاح وزيد الزيت..


فقد جعنا شوقاً.. قبل أن نجوع بطناً.